كتاب للباحث المتليني يرصد بداية الأشغال العمومية في عهد ليوطي في كتابه "الأشغال العمومية بالمغرب على عهد الحماية.. مرحلة ليوطي (1912 ـ 1925) يتوقف الباحث عبد العالي المتليني عند موضوع الأشغال العمومية، باعتباره قضية استعمارية محورية، شكلت قطب الرحى في السياسة الاستعمارية الفرنسية بالمغرب إبان فترة الحماية، وعليها بنى نظام الحماية الفرنسية جزءا من مشروعه التوسعي الاستعماري في شموليته. وأبرز المتليني المزاوجة بين تسهيل التدخل الاستعماري واستغلال مقدرات البلاد، عبر تهيئة الطرق والسكك الحديدية والموانئ وخدمات البريد والمواصلات. في هذا الخاص اختارت "الصباح" المحور المتعلق بتشييد السكك الحديدية ودورها في تنفيذ المخططات الاستعمارية. إعداد: عزيز المجدوب تتبع الباحث عبد العالي المتليني السياق التاريخي لنشأة السكة الحديدية بالمغرب، إذ أشار إلى أن أولى المحاولات لوضع خطوطها بالمملكة الشريفة كانت قبل توقيع معاهدة الحماية في 1912، وكان أولها في 1887 بدعم من الحكومة البلجيكية التي مدت السلطان الحسن الأول بالمواد اللازمة لإنجاز شبكة كيلومترية، استقدمت من معمل le Grand Mons ببلجيكا، وأنزلت بالعرائش ووصلت إلى مكناس في فبراير 1888 لتوضع بحدائق الإقامة السلطانية بأكدال، وكانت هناك محاولة أخرى في الشمال من قبل الإسبان، وفي الشاوية التي احتلها الفرنسيون سنة 1907، حيث شهدت بناء نوع من "الترام" بين الدار البيضاء وبرشيد، والذي لم يعد له أثر بعد إقامة خط السكة الحالي. وكان أول خط نصت عليه مؤتمرات المسألة المغربية، خاصة مؤتمر الجزيرة الخضراء، هو خط طنجة ـ فاس الذي سمح للفرنسيين والإسبان بإنشاء شركة مشتركة للإشراف على إنجازه، تلاها تحرك الدبلوماسيين الألمان في اتجاه محاولة تعطيل إتمامه بزعامة الدبلوماسي "فون كيدرلن ويشتر". أول قاطرة يقول المتليني إن الفرنسيين شرعوا في وضع أول خط للسكة الحديدية في المنطقة السلطانية بين الجزائر ووجدة في 1911 (15 كيلومترا)، وأسهمت إدارة الحماية الفرنسية في الإشراف على إنجازه، حيث جاءت بعثة عسكرية من ضباط الهندسة الفرنسية في فبراير 1911 لبناء هذا الخط، قصد تسهيل التوغل الفرنسي بالمغرب انطلاقا من الجزائر. ووصلت أول قاطرة من الجزائر إلى وجدة في 14 أكتوبر 1911، ولحظتها قررت وضع آخر لربط وجدة بفاس عبر تاوريرت، وجندت لذلك ألفين من العمال المغاربة، فشرعت أجهزة الإقامة العامة في مد هذا الخط منذ ماي 1912. وتمثلت الشبكة الحديدية الرئيسية في تلك التي كانت تجتاز البلاد من مراكش في الجنوب الغربي إلى وجدة في الشمال الشرقي، مارة بالدار البيضاء والرباط والقنيطرة وسيدي سليمان ومكناس وفاس ثم تازة، حيث جاءت مباشرة بعد انطلاق عمليات التهدئة والسيطرة على المغرب، بعد توقيع معاهدة الحماية في 1912، مثلتها السكة الصغرى أو الخطوط الضيقة (0.60 متر). كان الغرض من هذه السكة تلبية الاحتياجات العسكرية إلى غاية 1915 حين تقررت إضافة النقل التجاري إلى أدوارها، خاصة المرور بمراكز التعدين الجديدة كتلك التي ستربط سيد العايدي بوادي زم، وتحمل الفوسفاط (120 كيلومترا) إلى خريبكة، والحديد من أيت عمار إلى الدار البيضاء، وتنقل السكة من بنكرير إلى آسفي الفوسفاط، من لوي جنتيل (اليوسفية)، والسكة من بوعرفة تحمل الفحم من جرادة والمنغنيز من بوعرفة إلى الموانئ المغربية والجزائرية. ونص مرسوم صدر في 27 مارس 1916 على استغلال هذه الشبكة من قبل السكك الفرنسية بالجزائر، ولم يتحول استغلالها من قبل السكك الحديدية للمغرب إلا في بداية 1928، ويعود الاهتمام بهذا النوع من السكك الحديدية (0.60 متر) إلى المرونة التي تميزها وانحناء خطوطها وانخفاض الأعمال التحضيرية الواجبة لإقامة خطوط سكتها، وقد انعكست هذه الأشغال إيجابا على اليد العاملة. التقنية في خدمة السياسة الاستعمارية أما الشبكة الحديدية العادية فقد بدأ العمل في تكوينها سنة 1920، إثر الانتهاء من خط طنجة ـ فاس، تنفيذا لمقتضيات نص معاهدة الجزيرة الخضراء والاتفاق الودي الألماني (1911) والاتفاق الودي الفرنسي الإنجليزي الذي تضمن تأجيل بناء الخطوط السككية التجارية بالمغرب إلى ما بعد الانتهاء من خط طنجة ـ فاس، بما فيه المنطقة الخليفية في الشمال، وكان الخط الرئيسي المكهرب الرابط بين مراكش وفاس يلتقي في وجدة بالشبكة الجزائرية. وعرف المقيم العام الفرنسي ليوطي كيف يحصل على مردود جيد في تحقيق مخططاته باستعمال الوسائل التقنية الجديدة، مثل السكة الحديدية التي لعبت دورا هاما في ربط المغرب بالجزائر في 1914، عبر فتح ممر تازة ووضع قضبان السكة عليه، حيث دشن ليوطي الخط الرابط بين تازة وفاس في 1921، بعد ثلاث سنوات من العمل المتواصل لضباط الهندسة العسكرية الفرنسية، ومنها التحركات التي كان ينوي القيام بها في تافيلالت سنة 1919، وحول بقعة تازة، فكانت السكة بهذا وسيلة لإخضاع شعب يرفض بعناد التخلي عن استقلاله العريق، كما مثلت أداة اقتصادية لامتصاص الثروات المعدنية بتكاليف أقل من الطرقات، وبهذه الخطوة عرفت تنمية شبكة السكة الحديدية قفزة نوعية، فسايرت عمليات التوغل والاحتلال. كما وظف ليوطي، ومعه سلطات الحماية، السكة الحديدية آلية لتمرير التدابير والإجراءات والسياسة الفرنسية في أوساط الأهالي، فأنشأ بمقتضى ذلك السكة الحديدية التي تعتبر سياسة أهلية، والتي لبت عدة مطالب، مثل رغبات وتطلعات النخبة التجارية المستقرة بأهم الحواضر المغربية، التي واكبت تطلعاتها التطور الذي تعرفه وسائل النقل والتنقل لمغرب ما بعد الحماية، خاصة تجار فاس والعديد من أغنياء التجار المغاربة اليهود الذين استوطنوا الموانئ والحواضر الكبرى للمغرب. مراحل بناء الخط السككي انطلق المشروع السككي بالمغرب بمد خط يربط وجدة بالحدود الجزائرية في أكتوبر 1911 وفي ماي 1912 شرع في الخط الرابط بين وجدة وفاس مخترقا سهول المغرب الشرقي، فربطت وجدة بتازة بالخطوط الضيقة في مرحلة أولى في 14 يوليوز 1915، وفي نهاية 1916 فتحت السكة بين الحدود ووجدة، ولم يتم الربط النهائي بين خطوط المغرب الشرقي انطلاقا من وجدة، وخطوط المغرب الغربي انطلاقا من الدار البيضاء، ومرورا من فاس إلا في 31 يوليوز 1921، رغم أن أشغال البناء لم تكتمل بين فاس وسيدي قاسم إلا في 1923. وبين ثنايا هذه الفترة أنجزت الحماية من الخطوط السككية 622 كيلومترا ما بين 1912 و1918، منها 520 كيلومترا في 1915 وفي 1920 وصل طولها 1368 كيلومترا، وتمددت إلى 1613 كيلومترا في 1924، وبذلك تم الربط بين ثلاث عواصم تاريخية لإمبراطورية المغرب هي فاس ومراكش والرباط، وفي الوقت نفسه، كانت لهذه الخطوط أهمية اقتصادية كبرى فتحت كل من جهة الشاوية والغرب وربطت بين المراكز الكبرى للمبادلات بالمغرب، وهي مراكش وفاس، والميناء الشمالي للمنطقة الفرنسية "القنيطرة"، والعاصمة الاقتصادية والمالية للمغرب "الدار البيضاء". وشرع في كهربة خطوط السكة الحديدية ابتداء من فبراير 1927، وفي شهر ماي من السنة نفسها، شرع في استعمال الخط المزدوج لنقل الفوسفاط من مناجم خريبكة نحو ميناء الدار البيضاء، بمعدل ثلاثة قطارات في اليوم، رغم أن هناك إشارات إلى أن الكهربة تمت قبل هذا التاريخ بسنوات قليلة، ويحتمل أن استغلال الخط السككي الرابط بين الدار البيضاء ووادي زم قد استعمل الكهرباء منذ البدايات الأولى لاستغلاله، ليعم في ما بعد بشكل فوري خط مراكش، ثم خط الدار البيضاء ـ الرباط، وما عداها مؤقتا يشتغل بالبخار. أما بخصوص القطارات الأولى التجارية والمخصصة للمسافرين التي تستعمل خطوط السكة العادية (1.44 م)، فقد كان أول تحرك لها بين الرباط ومكناس في أواخر 1922، وبين فاس ومكناس في اتجاه الوسط في 1923 وبين واد زم والدار البيضاء في اتجاه الوسط في 1924، وبالنسبة إلى باقي الخطوط بشكل تدريجي، وبما يتوافق مع انتهاء الأشغال واكتمالها في الشبكة التي قدر طولها بحوالي 870 كيلومترا، وفي فترة تتراوح بين 6 سنوات و10 سنوات وفق سرعة إنشاء هذه الخطوط، التي ارتبطت بالوضعية الاقتصادية لفرنسا، التي اعتمدت بتمويل الشبكة بواسطة القروض التي كانت تقدمها الإقامة العامة.