علمته المطارات كيف يكشف ما تخفيه الحقائب في أحد الأزقة المتواضعة بحي الهجاجمة ببوركون بالبيضاء، ولد سنة 1963 طفل نحيل الملامح طويل القامة سيكبر ليحمل اسما سيظل محفورا في ذاكرة أمن المطارات بأكادير، عبد اللطيف إيسف. تشكلت أول بذور شغفه بكرة القدم، رغم أن قامته كانت تغري الجميع بأن طريقه الطبيعي هو كرة السلة، لكنه اختار المستديرة، لأنها بالنسبة إليه لم تكن مجرد رياضة، بل انتماء لمدينة، لروح، ولفريق يتردد اسمه بين البيوت: الوداد الرياضي. في مدرسة الإدريسي فتح عينيه على العالم، قبل أن تنتقل الأسرة إلى حي المعاريف حيث سيواصل مسيرته بالإعدادية ابن طفيل ثم بثانوية مولاي إدريس الأول. هناك بدأ وعيه يتشكل، وبدأت ملامح شخصيته تنحت نفسها، بهدوء وانضباط، ونوع من الحدس الغريب جعله سريع الالتقاط للتفاصيل الصغيرة. ولما حصل على شهادة الباكلوريا سنة 1984، التحق بكلية الحقوق بعين الشق، في شعبة العلوم القانونية. كان يحلم بأن يصبح محاميا، يدافع عن الضعفاء، وأن يحمل بدلة سوداء وشارة المرافعة، وأن ينسج أمام القضاة خيوط العدل كما يراها. عامان قضاهما في الجامعة، لكنه كان يشعر بأن طريقه لم يتضح بعد إلى أن جاء الامتحان الذي سيغير حياته. في سنة 1987، تقدم لاجتياز مباراة ولوج سلك الشرطة. لم يكن يتصور أن من وراء تلك الخطوة سيبدأ مسار مهني سيمتد لأكثر من سبعة وثلاثين عاما. نجح في المباراة والتحق بالمعهد الملكي للشرطة بالقنيطرة مفتش شرطة، وخلال فترة التدريب، بدا واضحا للمشرفين أن هذا الشاب يحمل شيئا مختلفا. عين يقظة لا تنام. حدس يسبقه دائما بخطوة، وقدرة على التقاط ما لا ينتبه إليه الآخرون. لم يكن غريبا أن يتم اختياره ضمن مجموعة خاصة بشرطة الحدود. قارئ الحركات تخرج سنة 1988، وجاءت أولى التعيينات نحو الجنوب، إلى مطار بنسركاوا بأكادير. ثلاث سنوات ونصف أمضاها هناك بين شبابيك ختم الجوازات ونقاط التفتيش، في مدرسة عملية عميقة كان يشرف عليها محمد العدلاني، الذي زرع فيه أول درس، الأمن يبدأ من التفاصيل الصغيرة. سنة 1991، انتقل إلى مطار المسيرة بختم الجوازات، وهناك بدأ اسمه يبرز بين أفراد لجان التفتيش، ثم جاءت سلسلة من التكوينات داخل المغرب وخارجه. الأمن والسلامة، التفتيش الجوي، آليات المراقبة، وكل ما يتعلق ببناء منظومة أمنية قادرة على مواجهة محاولات التهريب والتحايل. ومع مرور الوقت، أصبح عبد اللطيف واحدا من الأعمدة للتصدي للعمليات المشبوهة. كان يقول دائما، التهريب لا يبدأ من الحقائب، بل من حركة العين ونبض اليد، وقد أثبتت تجاربه صدق هذا القول. قصص وطرائف من بين القصص التي بقيت محفورة في ذاكرته، تلك الرحلة التي كانت قادمة من مراكش ومتجهة إلى بروكسيل، حين طلب منه إعادة تفتيش الركاب خلال توقفهم في أكادير. كانت العملية روتينية، إلى أن لامست يداه جسد أحد المسافرين، فشعر بشيء غريب تحت سترته، أنكر الرجل، لكن عبد اللطيف يعرف جيدا الفرق بين الالتباس والخداع. وبعد تفتيش دقيق، اكتشف المفاجأة، قرد صغير مخبأ كما يخفى كنز ثمين. اشتراه الرجل بخمسة آلاف درهم من جامع الفنا، ظنا أنه سيعبر دون أن يراه أحد، ونجح في ذلك بمطار مراكش، لكن حدس المفتش عبد اللطيف كان أقوى من خطة المسافر. ولم تكن تلك الحالة الوحيدة، ففي واقعة أخرى، كان يفحص حاجيات أحد المسافرين المتوجهين لأداء العمرة، فاكتشف أن حذاءه الجديد يخفي مسمارا غير طبيعي، وبعد فحص دقيق، تبين أن الرجل يحاول تهريب مبلغ صغير من العملة الصعبة. مبلغ ليس كبيرا، لكنه يكشف الكثير عن طرق التحايل، والأهم عن قدرة عبد اللطيف على اكتشافها. طوال سنوات خدمته، واجه محاولات تهريب المخدرات، والعملات، والحيوانات، وشارك في إحباط العديد من المخالفات التي كان يمكن أن تؤدي إلى خروقات خطيرة، وكلما طالت السنوات، ازدادت خبرته رسوخا، حتى صار من الوجوه التي يعتمد عليها لضمان أن تظل بوابات المطار آمنة، وأن تظل عين الأمن مفتوحة. رجل الإشارات الخفية تدرج في الرتب بثبات، من مفتش، إلى مفتش ممتاز، إلى ضابط، فضابط ممتاز، ثم عميد، وفي 2022 نال رتبة عميد ممتاز، كان يتقدم بهدوء، دون صخب ولا ضجيج، فالرجال الحقيقيون، يكتبون سيرتهم بأفعالهم لا بكلماتهم. وبعد أكثر من 37 سنة من التفاني، قرر أن يطوي صفحة العمل الأمني. يغادر المطار لكنه لا يغادر الذاكرة. يترك خلفه مسارا مشرفا، وسمعة ناصعة، وصورة رجل كان يؤدي عمله وكأنه يؤدي واجبا تجاه وطنه قبل أن يكون وظيفة. هكذا، من أزقة بوركون ومن ملاعب الطفولة، وأحلام المحاماة، ومن شبابيك التفتيش، تأسست سيرة رجل صنع نفسه بنفسه، وسار بثبات، ليصبح واحداً من الأسماء التي ستظل عالقة في ذاكرة أمن المطارات. رجل علمته التجربة أن الحقيقة لا تقرأ دائما في الأوراق، بل تقرأ في العيون، وفي التفاصيل التي لا ينتبه إليها إلا من ولد وفي معه حدس التفتيش. عبد الجليل شاهي (أكادير)