«الصباح» تتقصى الأسباب الحقيقية لغياب مقررات الابتدائي وتبحث في صفقات الطبع وما وراءها نقترب من منتصف الموسم الدراسي 2025 - 2026، ومازال آلاف التلاميذ في السلك الابتدائي، الذين يتابعون دراستهم في مدارس الريادة، يذهبون إلى مؤسساتهم بحقائب شبه فارغة، بدون مقررات في ثلاث مواد أساسية (الرياضيات، العربية، الفرنسية). لا يتعلق الأمر بقصة من قصص الخيال العلمي، أو إشاعة من إشاعات «سوشل ميديا» بل بحقيقة صادمة يتغاضى عنها الجميع بخطابات التطمين والاجتماعات التي لا تفضي إلى أي نتيجة، إذ مازال المشكل قائما، إلى اليوم، في عدد من مؤسسات التعليم، وأضحى الحصول على نسخ من الكتب المقررة، في نسختها الجديدة، يشبه انتصارا، أو حدثا يستدعي الاحتفال. التحقيق التالي، يسبر خبايا ملف معقد، ويطرح أسئلة حول أسباب الاختفاء والخصاص في مقررات حديثة التأليف والطبع والنشر، ويعود إلى بدايات التفكير في تغيير مضامين كتب الريادة في السلك الابتدائي، ونوعية العروض المقدمة من الوزارة الوصية، والصفقات العمومية المعلن عنها، والمعايير والشروط المعتمدة في الطبع، والشركات التي استفادت، والأثمنة التي حددت، والأساليب المستحدثة التي اعتمدت، والمخالفات التي ارتكبت وأدت إلى تفكيك وتعطيل قطاع سلسلة توريد الكتاب. إعداد: يوسف الساكت نحن على بعد يوم واحد من بداية العطلة البينية الثانية في 7 دجنبر 2025، ولم يتمكن آلاف التلاميذ في مختلف جهات المغرب، بعد، من تعلم حرف جديد في المواد الأساسية، بسبب «الاختفاء» القسري لملايين النسخ من الجيل الجديد للكتب من المكتبات ومحلات بيع اللوازم المدرسية، ومن الباعة الجائلين، أو حتى في السوق السوداء، رغم سيل الشكايات التي توصلت بها مديريات التعليم من آباء وأمهات وأولياء أمور لم يستوعبوا، على وجه التدقيق، ما يحدث بالضبط. آلاف الأمهات والآباء يذهبون، كل يوم، للبحث عن المقررات الجديدة في المكتبات ومحلات بيع الكتب، والسوق السوداء، ويتعقبون الأخبار والإشاعات، علهم يعثرون على نسخ قليلة يدسونها في حقائب أبنائهم، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من تلقين مواد أساسية، في الرياضيات والعربية والفرنسية. وتواجه تجربة مدرسة الريادة تحديا كبيرا يهدد مستقبلها بالفشل، إذ بعد الوعد الذي قدم لآباء وأولياء التلاميذ بتوزيع الكتب المقررة في التوقيت المحدد (بداية الموسم)، يفاجئون بافتقادها نهائيا في المكتبات، بسبب إما عدم طبع ما يكفي من الكتب لسد حاجيات السوق، أو بسبب الاحتكار في أفق بيعها بثمن مبالغ فيه. وفي غياب أجوبة رسمية تضع النقاط على الحروف، مازال المغاربة يتداولون في عدد من الفرضيات، منها، مثلا، أن ضعف هامش الربح في بيع هذه المقررات، الذي لا يتجاوز في أحسن الحالات 10 في المائة، ساهم في تعميق هذه الأزمة، وفتح الباب أمام عدد من الممارسات غير القانونية، منها ترويح الكتب في السوق السوداء. صمت القبور في طريقنا لتجميع المعطيات في هذا التحقيق، ربطنا الاتصال بالمكلف بالصحافة بوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، الذي أحالنا على "مسؤول"، افترضنا، مسبقا، أن يكون متعاونا في توفير معلومات وأرقام والإجابة عن بعض الأسئلة في موضوع أضحى حديث الرأي العام الوطني، وهما كبيرا للأسر ومؤسسات التعليم في عدد من المناطق. ركبنا رقم هاتف «المسؤول»، وعبرنا عن رغبتنا وأدلينا ببعض عناصر الموضوع، وانتظرنا أسبوعا كاملا، دون أن نظفر بنصف كلمة منه، رغم إلحاحنا على الرد في مكالمات ورسائل توصل بها «السيد المكلف». ولسنا وحدنا من حرم من الجواب، إذ حتى ممثلي الأمة، الذين بادروا إلى طرح أسئلة كتابية على وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، لم يظفروا بما يشفي الغليل، ويصل إلى الأسباب الحقيقية لهذا الاختفاء «الغريب» لآلاف المقررات، رغم أن الوزارة أطلقت صفقات لتزويد السوق بـ11 مليون نسخة. فعوض أن يبحث الآباء عن قوت يومهم، فقد أصبح همهم البحث بجميع الوسائل عن كتب المدرسة الرائدة، لاسيما كتب الرياضيات والعربية والفرنسية، المعنية بعمليات المراجعات البيداغوجية الأخيرة لمناهج مؤسسات الريادة في أسلاك الابتدائي. وفي غياب الكتاب المدرسي الخاص بالتلميذ، وحتى يتفادى الأساتذة مغبة التفتيش المفاجئ، لجأ عدد منهم إلى حلول ترقيعية، منها تحميل الدروس انطلاقا من البوابة الرقمية التي وضعت لهذه الغاية، ومن تعذر عليه ذلك تقنيا، يعود إلى العصور الحجرية في التلقين، أي الارتجال في التدريس، ما يضع مشروع مؤسسات الريادة، الذي يعلق عليه المغرب آمالا كبيرة في تحسين منظومة التعليم وإصلاحها وتجويدها، موضع خطر كبير. الآباء يتحركون الفدرالية الوطنية لجمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ أحست بالخطر، وسارعت إلى عقد اجتماع مع محمد سعد برادة، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، الذي اعترف بوجود المشكل، مؤكدا رصد نسبة 20 في المائة من التلاميذ الذين لم يتوصلوا بكتبهم في الموسم الدراسي الحالي. وقال عز الدين عكوري، رئيس الفدرالية، في تصريح لـ"الصباح"، إن الفدرالية اقترحت التدخل لحل مؤقت للمشكل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، عبر إجراء إحصاء للتلاميذ الذين لم يتوصلوا، بعد، بالكتب، بتنسيق بين جمعيات الأمهات والآباء والمديريات، على أن يتم توفير الكتب عبر تزويد المطابع باللوائح، والتكلف بإيصالها إلى المؤسسات التعليمية بواسطة شركات وطنية لتوزيع الكتب والمجلات. ورغم «حسن النية» الذي عبرت عنه الفدرالية الوطنية لجمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ وتطوعها لتقديم يد المساعدة، فإن ذلك لن يخفي أصل المشكل، ولن يعفي من الجواب عن سؤال: ماذا وقع بالضبط؟ ولماذا تأخرت المطابع في تزويد سوق المقررات المدرسية بالعدد المتفق عليه؟ وإذا كانت المطابع التزمت بإنتاج 11 نسخة، كما ورد في دفاتر التحملات، فما الذي عرقل وصلوها إلى المكتبات، وبالتالي إلى التلاميذ في الوقت المحدد، علما أن عملية الطبع انطلقت منذ أشهر؟ العودة إلى 2024 لفهم اختفاء الكتب المدرسية، يجب أن نعود إلى الوراء قليلا، وتحديدا إلى الموسم الدراسي 2023-2024، وهو الموسم الذي شرعت الوزارة في تجريب مشروع مدارس الريادة على عينة من 626 مدرسة ابتدائية موزعة على تراب المملكة، وهو الرقم الذي ارتفع في الموسم اللاحق إلى 2626، واستهداف مليون و300 ألف تلميذ. وفي الموسم الحالي (2025-2026)، انتقل عدد المؤسسات التي شملها المشروع إلى 4626، أي أكثر من 50 في المائة من إجمالي المدارس، ما رفع عدد التلاميذ المستفيدين إلى 2 مليون و100 ألف. هذا العدد الكبير من التلاميذ، يحتاج إلى كتب ومراجع ومناهج ومقاربات تربوية جديدة تواكب هذا الانتقال المهم في منظومة التعليم، ما أكد عليه بالفعل، الالتزام الثاني من خارطة الطريق (2022-2026) المتعلق بالكتاب المرجعي، مدخلا أساسيا من مداخل تجويد التعلمات. لكن كيف ستنتقل الوزارة، وفرقها المركزية ومديرية المناهج في تنزيل هذا الالتزام الذي يعتبر محور العملية برمتها؟ الجواب الذي كانت تقدمه الوزارة، آنذاك، هو إخضاع النموذج البيداغوجي لمدارس الريادة إلى «التجريب" الميداني والتقييم والمواكبة بمعية فرق المفتشين، باعتماد آليتين: الأولى، التأليف المركزي للوزارة (دور الناشر)، مع إطلاق طلبات عروض للطبع، والثانية، مجانية الكتاب الموحد الموجه للتلميذ. في هذه المرحلة، تتفجر أول مشكلة، تتعلق بمسطرة فتح طلبات العروض والرؤية الإستراتيجية المؤطرة لها، وما قد يترتب عن ذلك من انعكاسات في المواسم الدراسية اللاحقة. وظهر في 2024 أن مراكز نفوذ في الوزارة، وقعت على اعتماد بـ170 مليون درهم لفائدة بعض المطابع التي استفادت من طلب عروض الكتب، بثمن يفوق بكثير ثمن طبع الصفحة الواحدة، إذ كانت القيمة لا تتعدى 0.8 درهم، بينما استفاد "الطابعون" من ثمن 0.20 درهم للورقة. في هذا الوقت، كان طبيعيا أن يتحدث المهنيون عن عدد من الاختلالات، منها أن مطبعتين اثنتين استفادتا لوحدهما من 100 مليون درهم، كما تأخرت الكتب في الوصول إلى التلاميذ مجانا، وتم التحايل في كثير من الأحيان عن الجودة والمواصفات والمقاسات، وطبعت كتب ووزعت على التلاميذ بالأبيض والأسود، بدل الألوان. الاستمرار في 2025 في بداية 2025، وقبل أشهر من انتهاء موسم 2024-2025، عادت الوزارة وفرقها المركزية للتداول في تطوير التفكير حول الكتاب المرجعي، بعد انتهاء عمليات تقييم تجربتي التأليف الموحد والتوزيع المجاني. هنا في هذه اللحظة، ستتشابك الخيوط، باعتماد مقاربة جديدة تنطلق من التخلي عن مجانية الكتاب (كما كان معمولا به في موسم 2024-2025)، والانفراد بدور المؤلف الواحد، مع اللجوء إلى سلسلة النشر من جديد (الطباعة، التوزيع، النشر). وبعد تحديد المقررات المعنية بالمرحلة الجديدة في السلك الابتدائي (الرياضيات، والعربية والفرنسية)، وعقد لجنة تحديد الأسعار، انطلق في أبريل 2025 طرح أول طلبات العروض، عن طريق ما يسمى "المزاد العلني المعكوس". وطرحت الوزارة في أقل من شهرين، أي بين أبريل وماي، ثلاث صفقات عمومية، بالنسبة إلى كتب مواد الرياضيات والعربية والفرنسية، موزعة على 6 حصص لكل صفقة، توازي المستويات الدراسية للسلك الابتدائي، إذ تم اختيار كتابين (الجزء الأول والجزء الثاني) في مادتي الرياضيات والعربية، وكتاب واحد في الفرنسية، بمعنى أن كل تلميذ في كل مستوى، سيحصل على خمسة كتب من هذه السلسلة موضوع طلبات عروض "المزاد المعكوس". "المزاد المعكوس" بعد تحديد المواعيد وتواريخ فتح "المزاد المعكوس"، عبرت العديد من الشركات ودور الطبع عن رغبتها في المشاركة، إذ انخرط الجميع بهمة ونشاط في "تطييح" الثمن، وتكسير العظام والمنافسة الشرسة على الثمن الأقل، من أجل الفوز بحصص من الصفقات الثلاث. ورغم أن شركات ومؤسسات للنشر والطبع، اتفقت على تحديد سقف معين لا يمكن التنازل عنه، تم الانقلاب على ذلك، وفسح المجال لأساليب "التوحش" التي أدت في النهاية إلى انهيار الأسعار إلى حدود طرحت سؤالا وجيها "ما هو هامش الربح الذي حصلت عليه دور الطبع النائلة للحصص". مصادر من الجمعية المغربية للناشرين، قالت إن الخسارة التي تكبدتها المطابع الخمس التي فازت بـ»المزاد المعكوس"، مقارنة بكلفة الإنتاج وثمن الورق والطبع والعمال، وصلت إلى 4 ملايير سنتيم. بمعنى أن المطابع التي تكلفت بطبع 11 مليون كتاب في المواد الدراسية المتفق عليها، خسرت في الموسم الحالي أربعة ملايير، هي حساب تخفيض أسعار المقررات من 31 درهما بالنسبة إلى مقرر الرياضيات (جزءان) إلى 16.50، وثمن مقرر العربية (جزءان) من 31 درهما إلى 11.50، وثمن مقرر الفرنسية (جزء واحد)، من 14 درهما إلى 3.95. إخلاء المسؤولية بعض الناشرين والكتبيين، حرروا في يوليوز 2025، بيانا دقوا فيه ناقوس الخطر، وتوقعوا فيه أياما سوداء بمدرسة الريادة، ما وقع بالفعل، مؤكدين أن المزاد الإلكتروني المعكوس، الذي تخللته شبهات عدم احترام توقيت الافتتاح والإغلاق، انتهى بإقرار أسعار متدنية جدا، أدت إلى تقلص فظيع في هامش الربح، سواء بالنسبة إلى الموزع، أو الكتبي الذي سيجد نفسه أمام هامش ربح يساوي بضعة ريالات فقط في الكتاب، قد لا يشجعه على الانخراط في المشروع برمته، بل قد يفتح أساليب أخرى من البيع، يكون التلميذ المتضرر الأول منها. ولم يتوقف الأمر عند القتل العمد لهامش الربح المشروع والشرعي في التجارة، بل سجل تلكؤ الناشرين في الوفاء بدفتر التحملات، إذ ألزمهم بطبع 350 ألف نسخة من كل مقرر، ما لم يتم، إذ وجهت رابطة الكتبيين بالمغرب، على سبيل المثال، مراسلات لمديرية المناهج التابعة لوزارة التربية الوطنية، تنبهها إلى الموضوع، وتخلي مسؤوليتها من أزمة "الاختفاء القسري" للكتب. لم يتوصل آلاف التلاميذ، من أصل مليونين و100 ألف تلميذ يتابعون دراستهم في 4626 مؤسسة للريادة بالسلك الابتدائي، بالمقررات الجديدة لموسم 2025 - 2026. التحقيق التالي، يسبر خبايا اختفاء قسري، ويجيب عن أسئلة حول أسباب الاختفاء والخصاص في مقررات حديثة التأليف والطبع والنشر، ويعود إلى بدايات التفكير في تغيير مضامين كتب الريادة في الابتدائي، والأساليب المستحدثة التي اعتمدت، والمخالفات التي ارتكبت وأدت إلى تفكيك وتعطيل قطاع سلسلة توريد الكتاب، وانتهت بفضيحة وطنية. ي. س