أدار شبكة سرقت سيارات ودراجات نارية محجوزة وأعادت بيعها ومعلومات "ديستي" فضحت نشاطها الحركة كثيفة، صباح الثلاثاء الماضي، أمام باب القاعة 2 باستئنافية فاس. مرتفقون تفرقوا إلى مجموعات بأعداد مختلفة، وبعضهم انهمك في أحاديث بأصوات خافتة، وآخرون حادثوا محامين ممنين النفس بأخبار سارة، تسعدهم وأقاربهم المتهمين بالاختلاس المعروضة ملفاتهم أمام غرفة الجنايات لجرائم الأموال، في جلسة يترقبها الجميع. مشاهد طالت دقائق قبل أن تسمع عبارة "محكمة" ويفتح باب جانبي صغير ويدخل أعضاء هيأة الحكم، فينتصب كل من على الكراسي، واقفين ويتقدم من بالخارج لداخل القاعة لتتبع أطوار جلسة مدرج فيها عدد محدود من ملفات نهب المال العام، يتابع فيها 26 متهما أكثرهم في ملفين حديثي الإحالة بشكل مباشر على الغرفة. إعداد: حميد الأبيض (فاس) / تصوير (أحمد العلوي المراني) خمسة ملفات فقط مدرجة في الجلسة، اثنان منها يتعلقان بالقضية نفسها المرتبطة بسرقة مركبات من المحجز البلدي بوجدة من قبل مديره العقل المدبر لكل العمليات، وشركائه بمن فيهم موظفون يعملون تحت إمرته، وشركاء من خارج أسواره، فيما أجل البت في الملفات الثلاثة إلى 9 دجنبر لاستدعاء الدفاع وإمهالا للمتهمين المتابعين. ملفان ضخمان لم يكن ممكنا مناقشة الملفين الجنائيين المتابع فيهما 23 متهما من سارقي مركبات المحجز البلدي بوجدة في واحدة من أضخم قضايا الجرائم المالية المعروضة باستئنافية فاس، في أول جلسة يعرضان فيها أمام الغرفة المختصة في جرائم الأموال، ولم يتم فيها إحضار المتهمين من السجن للقاعة طالما أن الملفين غير جاهزين للمناقشة. الغرفة الجنائية برئاسة القاضي محمد لحية، أمهلتهم شهرا لتعيين محامين للدفاع عنهم وإعداد الدفاع والاطلاع على الملفين المنتظر ضمهما لاحقا. وقررت استدعاء جماعة وجدة باعتبارها الجهة المشتكية والمتضررة، في شخص ممثلها القانوني، لمعرفة ما إذا كانت ستنتصب طرفا مدنيا في مواجهتهم، وتقديم مذكرة طلبات ضدهم. دفاع المتهمين المعتقلين تقدم بملتمسات طلبا لتمتيعهم بالسراح ولو بكفالة أو أي إجراء آخر، مؤسسا إياها على أسباب مختلفة بما فيها توفر بعضهم على ضمانات قانونية مختلفة، ما عارضه ممثل الحق العام في رده، بمبرر خطورة الأفعال المتورطين فيها، ما زكته هيأة الحكم معلنة في آخر الجلسة، رفضها لملتمسات الدفاع بتسريحهم. الغرفة أجلت محاكمة أفراد المجموعتين، إلى صباح الثلاثاء 23 دجنبر مع إحضار المعتقلين للقاعة 2 لمحاكمتهم حضوريا والاستماع إليهم وللشهود والضحايا في حال حضور الأطراف والجماعة الترابية وتقديمها الطلبات المدنية وأداء القسط الجزافي عنها، كما ضحايا من أصحاب مركبات مسروقة، ينتظر أن ينتصبوا طرفا مدنيا في الملف. تفكيك الشبكة معلومات دقيقة وفرتها عناصر "ديستي" فكت خيوط شبكة متداخلة متكاملة الأدوار. وأبحاث الفرقة الجهوية للشرطة القضائية بفاس رصدت خروقات كثيرة في المحجز، والبحث التقني اكتشف تفاوتا بين عدد المركبات الواجب وجودها به وتلك الموجودة فعليا، لينقشع خيط رفيع كشف المتهمين كل بحجم مسؤوليته في الفعل. ظروف اختفاء عدة مركبات ودراجات نارية وكهربائية وأجهزة إلكترونية محجوزة، توضحت تدريجيا مع تقدم البحث. وعملية تفتيش قامت بها عناصر الفرقة الأمنية، مكنت من حجز 17 دراجة نارية و10 سيارات وقطع غيار و38 هيكلا حديديا لسيارات مجزأة، معدة للبيع في سوق المتلاشيات، قبل تشخيص هويات كل المشاركين. هذه المركبات "المسترجعة" بعد سرقتها من المحجز، كلف خبير محلف بتقييمها وقدر قيمتها من معاينة أولية ظاهرية، بمبلغ حدده في أقصاه بمليونين و500 ألف درهم، في انتظار إعداده تقريرا مفصلا يضاف لوثائق هذا الملف الثقيل بحجم نوعية المتابعة وعدد المتابعين وثقل مسؤولياتهم وأدوارهم الإجرامية ضمن الشبكة. وموازاة مع ذلك كلفت الفرقة الأمنية، المدير العام للمصالح بجماعة وجدة المستدعاة للجلسة المقبلة لمحاكمة المتهمين، للقيام بجرد كامل وشامل لكل المركبات الموجودة فعليا في المحجز وإعداد تقرير يحصر رقم تلك المختفية ومدة حجزها، وتضمين ذلك في تقرير دقيق ومفصل يوضع فوق مكتب الوكيل العام باستئنافية فاس. علاقات متداخلة خطط أفراد هذه الشبكة جيدا للاستيلاء على المركبات المودعة في المحجز، في إطار منظم ودقيق. زعيمها أدارها بحنكة ووزع الأدوار على باقي أعضائها، محاولا بكل ما أوتي من نفوذ ودهاء وذكاء، طمس معالم جريمة أتم كل أركانها، محاولا محو أثر عمليات توالت تباعا، قبل افتضاح أمره ومن معه وجرهم للمساءلة القانونية. وحرص طيلة شهور على تنفيذ كل عملية بدقة متناهية لدرجة تنسيقه المكثف مع شريك له كلف بالبحث في المحكمة لمعرفة مآل مركبات محجوزة ليسهل الاستيلاء عليها، دون إثارة الشكوك، خاصة تلك المحجوزة لاستعمالها في قضايا تهريب للمخدرات وغيرها. وليحافظ على "تلاحم" الشبكة قسم العائدات في احترام تام للأدوار والمهام. هذه السلطة الكلية على باقي أعضاء الشبكة، حصنها كما إشرافه الشخصي على مختلف عمليات السرقة وتحصيل عائدات بيعها وتقسيمها، ما أكده الموقوفون أثناء استنطاقهم تمهيديا، إذ أجمعوا على عدم تسجيله عدة مركبات بالسجل الرسمي الخاص بالمحجز والممسوك بالجماعة، بتواطؤ مع باقي الموظفين الذين جاروه وشاركوه أفعاله الإجرامية. القبول بهذا الوضع المختل وتزكيته والمشاركة فيه، لم يكن مجانيا بالنسبة لباقي شركائه، بل بمقابل تفاوت بتفاوت المدخول في كل عملية سرقة نفذتها شبكة "تغلغلت" ونسجت خيوطها بإحكام داخليا وامتد نشاطها إلى خارج أسوار المحجز، بتوضيب السمسرة لضمان مرورها بسلاسة دون إثارة الشكوك أو أي عرقلة إدارية محتملة. اختفاء مركبات اطلاع الشرطة على السيارات الصادرة أوامر بإيداعها المحجز دون صدور أمر بسحبها، كشف اختفاء عدد منها بعد خصم مركبات مسجلة بالبيع في السمسرة العمومية. والمقارنة وقفت على فارق 10700 مركبة اختفت في الفترة بين 2020 والسنة الجارية. والتلاعب لم يقتصر على ذلك، بل امتد إلى مداخيل الجماعة من المحجز. تعميق البحث كشف أن مدير هذا المحجز والعاملين تحت إمراته، تلاعبوا في المداخيل وتسلموا أوامر بالسحب واستخلصوا نقدا مقابل مكوث مركبات به، واستولوا على تلك المبالغ دون إيداعها في الخزينة العامة رهن إشارة مالية الجماعة، واستعان المحققون بزملائهم في الهيأة الحضرية، لمقارنة عينة أوامر بالممسوك في السجل. المقارنة بينت أن المدير ومن معه استولوا على أموال مهمة فاقت 102 ألف درهم عن هذه العينة فقط من أوامر السحب للسنتين الماضية والحالية، وضحايا استمع لتصريحاتهم وأكدوا تعرض مركباتهم للسرقة بعد حجزها لأسباب مختلفة، بعضها عثر عليه في عمليات تفتيش قامت بها عناصر الفرقة الجهوية للشرطة القضائية بفاس. العربات المحجوزة بعد تفكيك الشبكة، أجريت عليها خبرة تقنية من قبل تقنيي مسرح الجريمة في إطار إجراءات أمرت بها النيابة العامة، ومنها إجراء خبرة على هواتف المتهمين عهدت للمختبر الجهوي لتحليل الآثار الرقمية بفاس، فيما وضع سلاح ناري حجز لدى متهم، بولاية أمن فاس في انتظار التحقق منه بولاية أمن وجدة. الاستماع إلى ضحايا استمع المحققون لضحايا بينهم زوجة فوجئت بعد حصولها على أمر بسحب دراجة نارية أوقف زوجها على متنها متحوزا بكمية مخدرات، بعدم وجودها في المحجز لينطلق مسلسل انتظار استردادها طال 5 أشهر ماطلها فيها مدير المحجز، قبل تشكيها كما أب رغب في استرجاع دراجة نارية لابنه المعتقل في قضية سرقة بالنشل. المدير ادعى بيعها بسمسرة وطلب منه التقدم بطلب تعويض قبل تسليمه ألفي درهم دون وثيقة مثبتة لذلك، عكس ضحية ادعى الموظف تعرض دراجته للسرقة وآخر تسلم أمرا باسترجاع دراجة ابنه المحجوزة في قضية حيازة مخدرات، وفوجئ باختفائها من المحجز كما سيارة وكالة لكراء السيارات استعملها مكتريها في ترويج مخدرات. هذه الحالات وغيرها، ووجه بها موظفو المحجز واعترفوا بها وبتواطئهم مع المدير لسرقتها وغيرها من المركبات، سيما التي تجاوزت السنة داخله، لتصبح مدخولا للجماعة استولوا عليه دون سند قانوني، كما استيلاؤهم على مبالغ مالية من عمليات سمسرة أقر مشاركون فيها بتسليمهم ما بين 25 ألف درهم و30 ألفأ لتأمين استفادتهم منها. واستمعت الفرقة الجهوية للشرطة القضائية لنائلي سمسرات عمومية أطلقتها جماعة وجدة لبيع مركبات ومتلاشيات وأجمعوا على اتصال الملقب ب"اليمني" بهم ومطالبتهم بأداء مبالغ مالية للحيلولة دون عرقلتها، مقرين بتسليمه إياها، كما استمعت لأعضاء لجنة خاصة بالسمسرة وأكدوا عدم معاينتهم المركبات واعتمادهم على شهادة المدير. اعتقال مجموعتين اعتقلت الفرقة الأمنية المتهمين تباعا بمن فيهم مدير المحجز العقل المدبر للشبكة، وزملاؤه الثلاثة العاملون تحت إمرته ممن ساهموا في تسهيل عمليات السرقة أو توسطوا بينه وبين راغبين في شراء مركبات مسروقة. وتوالى سقوط أفرادها تباعا قبل إحالتهم على الوكيل العام بفاس، على مجموعتين. الاعتقال شمل كل من له علاقة بسرقة المركبات من المحجز البلدي وبيعها أو تفكيكها لقطع غيار، منهم مزورو الصفائح المعدنية وميكانيكي ومشترو المسروق وحارسا السيارات المسروقة، والبحث فضح آخرين وخيوط شبكة بعض أفرادها ظلوا في حالة فرار، قبل اعتقال بعضهم لاحقا لإحالة المجموعة الأولى على الوكيل العام. وأقر المتهم الرئيسي تمهيديا باستغلال خبرته ومعرفته الدقيقة بسير العمل بالمحجز، للقيام بتلك السرقات وفق خطة دقيقة تبدأ بعدم تسجيل السيارات في السجل الرسمي واستخلاص قيمتها نقدا دون تسجيلها والاستيلاء عليها بمعية شقيقه ومتهم آخر، قبل بيعها أو تفكيكها وبيع قطع غيارها في سوق المتلاشيات واقتسام الأموال المتحصلة. هذه العمليات كانت تتم عبر طريقتين، أولاهما سرقة المركبات وتمكين المشاركين منها ودمجها في سمسرات تطلقها الجماعة في غفلة من أعضاء اللجنة الذين ليس بإمكانهم الاطلاع والتحقق من كل ما يتضمنه المحضر الذي يتم فيه إدماج متلاشيات ومركبات غير موجودة، وتهم المرحلة الثانية بيع المركبة دون تضمينها في السمسرة. اعتقال وإحالة على الوكيل العام 19 متهما أحالتهم الفرقة الجهوية في 14 نونبر على الوكيل العام الذي أعمل صلاحياته القانونية المخولة له بموجب المادة 73 من المسطرة الجنائية، وأحالهم مباشرة على غرفة الجنايات الابتدائية لجرائم الأموال، بعدما لاحظ أن القضية جاهزة للحكم ولا تحتاج لإجراء تحقيق في مواجهتهم، بعد أن اعترفوا وتوفرت قرائن مادية على تورطهم. 16 متهما أمر بإيداعهم سجن بوركايز والباقي سرحوا بضمانات قانونية. وتابع مدير المحجز بتهم "اختلاس وتبديد أموال عامة وخاصة موضوعة تحت يده واختلاس منقولات موضوعة تحت يده بمقتضى وظيفته وبسببها وإتلاف وتبديد سندات وجهت إليه بمقتضى وظيفته والارتشاء والتزوير في وثائق رسمية وإدارية واستعمالها". اختلاس وتبديد أموال ومنقولات والتزوير، تهم توبع بها قريبه، فيما توبع الباقي لأجل المشاركة في ذلك وإتلاف وتبديد سندات و"الارتشاء وإخفاء عن علم أشياء مختلسة ومبددة ومتحصل عليها من جنحة وعدم تبليغ السلطات عن وقوع جناية ووضع صفائح مزورة للمركبة واستخدامها عمدا والسرقة الموصوفة باستعمال ناقلة ذات محرك". وأضيفت لمتهم منهم تهمة "حيازة سلاح ناري بدون رخصة" بعد حجز بندقية صيد في حوزته عند اعتقاله متلبسا بإخفاء أشياء مسروقة، ووجهت لأربعة أفراد يشكلون المجموعة الثانية، وجلهم موظفون، تهم مماثلة تتعلق باختلاس وتبديد أموال والمشاركة في تبديد حجج باستغلال صفة موظف وإخفاء أشياء متحصل عليها من جناية والارتشاء. المجموعة أحيلت في 23 نونبر على الوكيل العام باستئنافية فاس الذي أمر بإيداع أفرادها وأحالهم بدورهم على الغرفة الجنائية التي شرعت في البت في ملفهم الثلاثاء في الجلسة نفسها لعرض ملف المجموعة الأولى، في انتظار ضمهما لعلاقتهما ببعضهما ووحدة الموضوع، بينما تم الإبقاء على المودعين رهن الاعتقال بسجن بوركايز.