فضاء تاريخي بأبو ظبي يستعيد حكاية الوجود البشري بالواحة الإماراتية بمجرد ما تجتاز عتبة "متحف العين"، في حلته الجديدة، تطالعك يسارا أرضية زجاجية، تشكل جزءا من قاعة الاستقبال التي بنيت فوق موقع تاريخي، يشتمل على مجموعة من الآبار والأفلاج الأثرية، التي تشكل جزءا من التاريخ القديم للمنطقة. يؤرخ هذا الجزء من المتحف لحكاية الوجود البشري فوق أرض "العين"، وهو وجود تؤرخ له الشواهد الأثرية التي يعرضها هذا الفضاء، منذ العصر الحجري، حين درج الإنسان الأول على هذه الأرض، وابتكر الأدوات الحجرية الخاصة التي حاول من خلالها التكيف مع البيئة من حوله. كما يعرض المتحف من خلال هذا الركن التمهيدي فيه، جوانب من ابتكارات الإنسان المحلي خلال العصر البرونزي، حين ظهرت الأسلحـة والأدوات المعدنيـة، وشكلت نقطة تواصل مع الشعوب والحضارات الموازية عبر التبادل التجاري والثقافي. ولمواجهة شح المياه في العصر الحديدي ابتكر الإنسان المحلي نظام الأفلاج (أي قنوات مائية لها مصدر من فجوة في مكان مرتفع في طبقة صخرية) التي شكلت ابتكارا هندسيا مكّن المجموعات البشرية الأولى من الاستقرار في المنطقة، وإقامة نظامها الخاص في الحياة والمعيشة، وما زال هذا النمط من الري قائما إلى يومنا هذا في العديد من المناطق المجاورة. وحيثما وجد الماء وجدت الحضارة الإنسانية، إذ لا يطيب عيش الإنسان إلا قرب منابع المياه، فقد شكلت واحات "العين" نقطة جذب للمجموعات البشرية الأولى، وظلت حاضنة لمظاهر الحياة البدائية التي تطورت مع مرور الزمن لتشكل عبر التراكم ملامح حضارة محلية، برع فيها الإنسان في التكيف مع البيئة المحيطة به، وابتكار ما يلزمها من أدوات وأنماط وعادات وتقاليد. في البدء كان الماء في القسم الأول للمتحف يبدو من خلال تشييده أنه لم يتم التفريط في الآبار والأفلاج التي بني فوقها، إذ تمت تغطيتها بطبقات سميكة من الزجاج، تجعل الزائر يمشي فوقها، ويلاحظ كيف كان الإنسان المحلي يبحث عن الماء، ويبتكر الطرق الخاصة لنقله من مكان إلى آخر. ويعكس هذا القسم مراحل تتراوح بين ألف سنة قبل الميلاد وثلاثمائة سنة بعده، حيث توجد المواقع الأثرية والمباني التراثية والمقتنيات الثمينة من القطع التاريخية التي عثر عليها في باطن هذه الآبار والقنوات المائية، التي رغم جفاف معظمها، فإنها كانت تخفي نفائس شاهدة على إنسان العصور الغابرة. يتعلق الأمر إذن بموقع أثري تحيطه آبار وقنوات مائية جوفية حفرت منذ زمن بعيد، وحرص القائمون على تشييد المتحف على الإبقاء عليها، باعتبارها جزءا من تاريخ المكان والمنطقة. تأريخ بالآبار والأفلاج قبل انتهاء البناء بالمتحف، مطلع سبعينات القرن الماضي، كان موقعه الحالي مسرحا لعدد من الأبحاث والتنقيبات الأثرية، التي كشفت عن أزيد من مائتي معلم أثري لم تكن معروفة سابقا. وضم المتحف مجموعة من المعالم واللقى المكتشفة معروضة في قاعات المواقع الأثرية، في حين بقيت المكتشفات الأخرى التي عثر عليها تحت المبنى لتكون متاحة للبحث والدراسة مستقبلا. كما تقدم الطبقات الأثرية المكتشفة في موقع المتحف مؤشرات على استمرار استخدام الموقع الحالي لمدينة العين على مدى آلاف السنين، إذ تظهر هذه المعالم الأثرية المدفونة أجزاء من أنظمة ريّ قديمة تمتد في أرجاء الموقع، متجاوزة حدودا المتحف ومحيطة به من كل جانب. وهناك بعض الآبار في القاعة الأولى للمتحف تنتمي لأواخر فترة ما قبل الإسلام، كما هو الشأن لبئرين عند مدخل صالة العرض، إذ حفرت عبر أفلاج العصر الحديدي المهجورة. ومع استمرار انخفاض مستويات المياه، تم التخلي عن هذه الآبار، ولاحقا في الفترة نفسها تقريبا، أصبحت المنطقة مقبرة، واستخدمت الآبار المهجورة مواقع لإلقاء الأواني الفخارية المكسورة من مخلفات الولائم والطقوس العشائرية. حارة الحصن... ضمير العين في المجال المحيط بموقع المتحف، يحيط به حي سكني عتيق، بني على امتداد الجهة الشرقية لواحة "العين"، أطلق عليه "حارة الشرق" وذلك بحكم موقعها على جهة الشرق، إذ كان سكان هذه المنطقة يزرعون الأرض، ويجتمعون في الساحات والمجالس، ويطربون لأنغام مياه الأفلاج وهي تتدفق مانحة إياهم إحساسا بالأمان واستمرار الحياة مع التدفق. كما يطلق على هذه الحارة أيضا "حارة الحصن" نسبة إلى "حصن سلطان" الذي بناه الشيخ سلطان بن زايد في 1910، ليصير محور الحياة اليومية بالمنطقة، وعاملا على التجمع السكاني حوله، كما تجمع البشر الأوائل هناك حول منابع المياه. ولم تكن "حارة الشرق" أو "حارة الحصن" مجرد تجمع سكاني لعدد من المنازل والبيوت، بل كانت مجالا متكاملا ينضح بالتقاليد وأنماط العيش، أفرزت قيمها الخاصة ونسق عاداتها كما تعكسه طقوس الإيقاعات الموسمية وكرم الضيافة وروح المجتمع المتلامحمة. من خلال هذا المتحف والركن المخصص ل"حارة الحصن" يتم استحضار جوانب من تاريخ هذه الحارة من خلال ماضيها وناسها، وتوثيق محطات مفصلية من تاريخها وإبراز دور نسيج الحياة المجتمعية فيها، في تشكيل ملامح مدينة "العين" الحديثة، وفي صياغة قصة هذا الحصن والمتحف الذي ظل يحضن ذكريات الحارة من خلال تفاصيلها المبثوثة عبر أرجائه من قطع ومقتنيات وصور شاهدة على مظاهر العيش التي كانت سائدة. وأثناء التجول في أرجاء المتحف يكتشف الزائر أن ذكريات وماضي حارة الحصن ترفرف حول المكان من خلال الخرائط والصور الجوية والأرشيفية والدراسات الإثنوغرافية والروايات الشفوية التي توثق لفضاء مكاني متعدد الطبقات، مستعيدة المسار التاريخي والعمراني لحارة اندثرت بشملها الأصلي لكنها ظلت حاضرة في ذاكرة ووجدان أهلها، ومحفوظة معالمها بين جدران هذا المتحف. قطع من الحياة اليومية من أبرز مقتنيات المتحف الطوب الطيني والذي يقدم ملامح عن طرق البناء في قلب العين. كما يضم المتحف عملات معدنية وأغلفة رصاصات عُثر عليها في المنطقة ذاتها، تجسد مشاهد من الحياة اليومية والاحتفالات الاجتماعية. وتشمل مجموعة العملات نقودا تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، مما يدل على شبكات التجارة النشطة والروابط عبر الخليج العربي. أما أغلفة الرصاص، فيُرجّح ارتباطها بإطلاق النار الاحتفالي خلال الأعياد والمناسبات الوطنية، في إشارة إلى المظاهر الاجتماعية المتجذرة في ثقافة منطقة العين. ويقدم المعرض أيضا أدوات منزلية تقليدية وفخاريات تعكس إيقاع الحياة اليومية في القرن العشرين. ومن بين المعروضات أوان من فخار "جلفار" قادمة من "رأس الخيمة" عُثر عليها بالقرب من مدبسة تقليدية (عصّارة التمر)، ويسلط الضوء على العلاقات الاجتماعية التي ربطت المجتمع المحلي بالمنطقة الأوسع. وتُكمل التجربة مجموعة من الأدوات المستخدمة من قِبل النساء في الحي، في مجالات مثل التطريز (التلي) وتحضير القهوة العربية وتمشيط الشعر، لتحتفي بالإبداع والضيافة والروابط الاجتماعية التي ميّزت بيوت حارة الحصن. فضاءات مفتوحة على المستقبل خضع متحف العين لعملية إعادة تطوير شاملة نفذتها شركة دباغ للعمارة، لتصل مساحة المتحف إلى أكثر من 8 آلاف متر مربع، مع الحفاظ على المبنى الأصلي الذي شيد في 1969 ليشكّل جزءاً محورياً من السردية المعمارية الجديدة. يتميز المتحف أيضاً بوجود مواقع أثرية جديدة اكتُشفت ضمن حدوده، وخضعت لعمليات تنقيب دقيقة وحُفظت بعناية لتشكل جزءاً أساسياً من تجربة الزوّار. ويسلط المتحف الضوء على نظام الري التقليدي المعروف بالأفلاج، الذي يعد ابتكارا رائدا مكّن المجتمعات القديمة من تحقيق الزراعة المستدامة، وأرسى أسس الاستقرار الدائم في منطقة العين. يحتضن متحف العين مجموعة من المقتنيات المعروضة، والتي تضم 1800 قطعة أثرية، تؤرخ لقدم الوجود البشري هناك، ويُعد مركزاً حيوياً للتعلّم والبحث وحفظ التراث الثقافي. تتتبّع سردية المتحف مسيرة الوجود البشري في المنطقة، من خلال عرض قطع أثرية يعود تاريخها إلى مئات الآلاف من السنين، ومقتنيات من الثقافة المادية تسلّط الضوء على عادات السكان وتقاليدهم، إلى جانب معارض تستكشف التراث الغني لمنطقة العين وصولاً إلى يومنا الحاضر. يضمّ المتحف مرافق بحثية متخصصة لدعم أعمال البحث وجهود الحفظ والدراسات متعددة التخصصات، بما يسهم في تعميق الفهم للتطور التاريخي والثقافي لمنطقة العين ومحيطها. كما يضم مساحة تعليمية مخصصة لاستضافة ورش عمل تفاعلية وأنشطة عملية تتيح للزوّار من جميع الأعمار التفاعل المباشر مع الإرث الثقافي والتاريخي الغني للمنطقة.