بناية تصيب بالاكتئاب وإجراءات معقدة وانتظار يفوق كل التوقعات يغص الطريق المؤدي إلى مستشفى الحسني بالبيضاء بسيل من السيارات والدراجات النارية، التي تتدافع وكأنها في سباق محموم مع الزمن، مما يؤدي إلى فوضى مرورعارمة... وحده مدخل المستشفى يقف خطا فاصلا، يمثل عتبة بين عالمين مختلفين. من الواجهة الأمامية، يبدو المبنى كأنه من زمن بعيد، فالجدران باهتة تميل إلى الاصفرار، والشبابيك صدئة، ولولا حركة الدخول والخروج المتواصلة لخيل للزائر أنه أمام بناية مهجورة، فالأبواب الحديدية عند المدخل تظهر عمرها بوضوح، والطلاء متقشر، والقضبان تحمل آثار صدأ متراكم. عند باب المستعجلات، يقف رجل أمن رسمي يراقب الداخلين بنظرة تجمع بين التوتر والحذر، علما أن لا شيء يدل على أن هذا المكان مخصص لإنقاذ الأرواح، وما إن تلج الباب الرئيسي، حتى تنكشف قاعة انتظار تغمرها حالة صامتة من الترقب، فلا ضجيج ولا نداءات، فقط وجوه مترقبة وعيون معلقة على المجهول. خلف باب حديدي آخر، يقف حارس أمن خاص، لا يجري أي فحص طبي، بل فحصا غير معلن، إذ يوجه المرضى إلى أداء واجب واجهات زجاجية عبارة عن "صناديق" يؤدي فيها المرضى واجبات "الدخول" نحو قسم المستعجلات، قبل أي فحص طبي، فكل شيء هنا يبدأ بالمال، حتى الحالات التي تتنفس بصعوبة. بعد اجتياز الحاجز الأخير، يبدأ مسار جديد بممر طويل بلا إرشادات، وممرضين يمرون بسرعة البرق، وبعض الأعوان يجيبون بعبارات مقتضبة، حينها يجد المريض نفسه في فضاء محدود المقاعد، وغالبا ما يضطر البعض للوقوف عشرات الدقائق، أو أكثر، في انتظار غير مضمون. أمام الفضاء، يظهر بابان، أحدهما يقود إلى غرفة الفحص الطبي الأولي، الذي يشرف عليه طبيب يطرح سؤالين أو ثلاثة، ثم يدون أدوية على عجل، وأحيانا يحيلك مباشرة إلى طبيب آخر، أو إلى جناح الفحص بالأشعة. لكن هنا تبدأ المتاهة الحقيقية. توجد قاعة الفحص بالأشعة بعيدة نسبيا، وللوصول إليها لا بد من عبور ممر طويل ومكاتب صامتة تشبه الردهات الباردة في مبانٍ إدارية، وحين بلوغ باب الغرفة يتم توجيه المريض إلى شبابيك الأداء مجددا ليست في المكان نفسه، والوصول إليها يتطلب بحثا شاقا للمرضى الجدد، إذ لا توجد أي إشارة أو خريطة موجهة، وحين تعثر عليها، قد تجد طابورا من المتوثرين. بعد أداء مبلغ جديد، لا بد من العودة إلى قاعة الفحص بالأشعة وانتظار جديد، ثم الرجوع إلى الطبيب الأول، حيث تطول المتاهة والانتظار... دوامة من الأوراق والأداء والانتظار والجهل بما سيحدث لاحقا، فهنا لا شيء يحدث دفعة واحدة، ولا يختصر أي مسار، مهما كانت الحالة مستعجلة. ينتهي أغلب المرضى، قبل العلاج، بإرهاق نفسي قد يفوق ألم المرض، كما تطبع في ذاكرة كل المرضى أن "الصحة ليست تاجا فوق الرؤوس" مجرد مقولة لا قيمة لها في المستشفى، كما تطبع في ذهن كل مغامر استحالة العودة إلى المستشفى، فالتجربة تختزل البيروقراطية القاتلة. أما الجدران الباردة، والمنطفئة اللون، فتكاد تهمس للزائرأن المكان يصنع الاكتئاب قبل أي علاج. عادة يفترض في المستشفى أنه خط دفاع أول عن صحة آلاف المواطنين في أكبر مدينة مغربية. لكن من الداخل، يبدو أقرب إلى اختبار صبر، لا إلى مؤسسة رعاية صحية. خالد العطاوي