أجندات سياسية وانتخابية هل تعتقد أنه يمكن أن يكون هناك تواطؤ بين بعض الجمعيات والمنتخبين، أم أننا أمام شراكات "عادية" فقط؟ > من الضروري هنا التمييز بين شراكة قانونية ومؤسساتية واضحة، وبين ما يمكن اعتباره توظيفا انتخابيا مبطنا. فالشراكات الحقيقية تقوم على تعاقد محدد وواضح، له أهداف مضبوطة ووسائل تنفيذ دقيقة، إضافة إلى آليات لتتبع أثر تلك الأهداف وقياسها بشكل ملموس. في هذه الحالة، تكون العلاقة مبنية على رؤية مشتركة لخدمة الصالح العام. في المقابل، يحدث التوظيف الانتخابي عندما تتحول بعض الجمعيات إلى مجرد واجهة تستعمل لخدمة أجندات سياسية أو انتخابية. وغالبا ما نلاحظ بروز هذا النوع من الجمعيات بشكل مفاجئ عند اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، إذ تقدم لها موارد مالية أو لوجستيكية بشكل مكثف من قبل الجهات التي تحركها، سواء كانت أحزابا أو أفرادا لهم طموحات انتخابية واضحة. هنا لا يكون الهدف هو خدمة المجتمع بقدر ما هو استمالة فئات اجتماعية واستغلال حاجاتها. هناك من يتحدث عن "سخاء مالي" تجاه جمعيات معينة دون غيرها، فهل يمكن اعتبار ذلك استغلالا انتخابيا مباشرا؟ > للأسف، ما يميز نظام دعم الجمعيات اليوم هو غياب معايير دقيقة وشفافة يمكن الاحتكام إليها. فحتى النصوص القانونية والتنظيمية، خاصة المتعلقة بالجماعات الترابية، لا تقدم تفصيلا واضحا أو آليات صارمة لضبط مسألة منح الدعم. ونتيجة ذلك، نلاحظ في كثير من الأحيان أن الجمعيات التي تستفيد من هذا "السخاء المالي" تكون مرتبطة بشكل مباشر أو غير ذلك بالأغلبية المسيرة للجماعة، أو بأشخاص نافذين داخلها. وهذا لا يعود بالضرورة إلى فعالية تلك الجمعيات أو إلى المشاريع المواطنة التي تقدمها، بل إلى طبيعة العلاقة التي تربطها بأصحاب القرار المحلي. وهذا الوضع يضعف الثقة، ويجعل الدعم يبدو في كثير من الحالات موجها لخدمة مصالح انتخابية، بدل أن يكون أداة لتعزيز العمل المدني الحقيقي. في ظل هذا الوضع، كيف يمكن إعادة ثقة المواطن في العمل الجمعوي والسياسة بشكل عام؟ > هذا سؤال كبير ومتعدد الأبعاد، لكن يمكن الإشارة إلى ثلاث نقط أساسية أراها محورية لإصلاح المشهد، أولاها وجود إرادة سياسية حقيقية للتغيير، أي أن يكون هناك استعداد فعلي لتجاوز المقاربة الشكلية في الإصلاح، والانتقال إلى خطوات عملية. ومن النقط منح صلاحيات فعلية للمنتخبين، فالمشكل ليس فقط في الأشخاص، بل أيضا في الإطار القانوني والتنظيمي، إذ يجب تمكين المنتخب من أدوات وموارد ومسؤوليات واضحة، حتى تكون له القدرة على اتخاذ قرارات وتفعيلها بشكل مستقل وفعال. ومن المهم أيضا ربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل صارم وملموس، ليس فقط على الورق أو رفع الشعار، بل ممارسة حقيقية يشعر بها المواطن في حياته اليومية، في علاقته بالإدارة والخدمات العمومية والفاعلين السياسيين. وعندما تصبح المحاسبة جزءا من الثقافة العامة والسلوك الاجتماعي، سيبدأ المواطن تلقائيا في استرجاع ثقته. للأسف، ما يلاحظ اليوم هو أن الفساد يعيق هذا المسار، ويجعل الكثير من المواطنين يمارسون العزوف أو يشعرون بعدم جدوى المشاركة، سواء في العمل الجمعوي أو السياسي. أجرت الحوار: إيمان رضيف * برلماني سابق