< د. خالد الحري كلما انكفأ النقاش حول مشاريع تنظيم الانتخابات والقوانين المرتبطة بها، وانزلق إلى مواضيع ذات صلة بالمفسدين والفاسدين وأشباح البرلمانيين والأميين وأصحاب "الشكارة" والأعيان، كلما تذكرت هذه الآية في سورة الرعد "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". آية عظيمة، ينبغي أن تكون منهاج حياة للأفراد والجماعات وسلوكا يوميا، وتدل على أن الله، تبارك وتعالى، بكمال عدله وكمال حكمته، لا يغير ما بقوم من خير إلى شر، ومن شر إلى خير، ومن رخاء إلى شدة، ومن شدة إلى رخاء، حتى يغيروا ما بأنفسهم. كذلك الأمر في باقي المجالات، مثل السياسة والعمل الحزبي وباقي أشكال التنظيم والتوجيه والتأطير الأخرى للمجتمع والناس، التي تتطلب من القائمين عليها أن يكونوا قدوة، بالمفهوم التربوي والأخلاقي، ويقدموا النموذج على حسن السيرة وربط القول بالفعل، والقدرة على إصلاح النفس، قبل تقديم الدروس إلى الآخرين. فبدل أن "تغرق" الأحزاب مذكراتها المرفوعة إلى وزارة الداخلية، (في إطار التحضير القانوني لانتخابات 2026)، بالنواح والبكاء والدموع، من احتمال ترشح الفاسدين والمتورطين في جرائم المال العام، وذوي السوابق في استغلال النفوذ وتضارب المصالح والاغتناء غير المشروع من السياسة، في اللوائح المقبلة، كان عليها، أولا، أن تنظف عتبة بيتها، و"تشطب" مساوئها وتقوم اعوجاجاتها، الباطن منها والظاهر. فقد نجانب الصواب، إذا قلنا إن الأحزاب تتحمل وحدها وزر ما يقع في الحياة السياسية من تشوهات وسلوكات وممارسات، أجهزت على ما تبقى من ثقة ومشاركة وانخراط للمواطنين، لكن في الوقت نفسه يجب أن نتفق على أن الجزء الأكبر من المسؤولية تتحمله هذه الإطارات السياسية. إن الأحزاب هي الوجه المكشوف للممارسة السياسية، وهي التي اختارت أن تكون في هذا الموقع، وقررت أن تكون مؤسسات للوساطة وتمثيل المواطنين في الهيآت التشريعية والمجالس المنتخبة والغرف المهنية، وعليها، وحدها، يقع الجزء الأكبر من مسؤولية تخليق الحياة السياسية، وتنظيف المشهد من جميع الكائنات التي تسيء إليه. فلا يمكن للأحزاب أن تطلب من الدولة وضع قوانين لضبط الترشيحات، وعدم السماح بمرور الفاسدين والمتورطين وذوي السوابق، بينما كان بإمكانها أن تفعل ذلك بنفسها في إطار دورية للتخليق، وميثاق حقيقي للشرف والتزام صريح مع المواطنين، بإبعاد الكائنات الانتخابية، التي تختفي بمجرد أن تحصل على مقعد. إن الحزب هو الذي يعرف مطبخه الداخلي، ويعرف مناضليه ومترشحيه ولوائحه وصراعات الأجنحة فيه، وعليه أن يحسم كل هذه الإشكاليات داخليا، مع استحضار أن هناك رأيا عاما يلاحظ ويسجل، وقادر على الفرز في اللحظات المفصلية. فلا أحد سيغير ما بداخل الأحزاب ما لم تغير ما بنفسها، أولا، ولن ننتظر من الدولة وضع قانون أو مرسوم أو نص تشريعي، لطرد فاسد من تنظيم سياسي، ومنع ترشيح متورط ومشبوه، أو تأديب نائب شبح لا يحضر إلى البرلمان إلا يوم التسجيل، ويختفي عن الأنظار. غيروا أيها السادة ما بأنفسكم، أو تغيروا إلى الأحسن من تلقاء ضمائركم. وستجدون كل شيء قد تغير بعد ذلك.