< د. خالد الحري تجاوزت إسرائيل جميع الحدود، حين اعتدت على حرمة دولة عربية مستقلة، تعتبر شريكا في المفاوضات، ومكونا أساسيا في مسارات إحلال السلام، وإيجاد تسوية لإيقاف الحرب المدمرة بالمنطقة التي تدخل سنتها الثالثة بعد أيام. لم تحترم تل أبيب أي أحد على الإطلاق، حين وصلت قاذفاتها إلى عقر دولة قطر، وأزهقت عددا من الأرواح، وأحدثت دمارا في مبان ومؤسسات وزرعت الخوف والرعب في المواطنين، في وقت يعرف العالم بأسره أن من كان موجودا في المكان هم مفاوضون فلسطينيون، يرتبون اجتماعاتهم (بالوساطة) مع نظرائهم الإسرائيليين. في مثل هذه الحالات، لا يكفي التنديد والاستنكار، بل يتطلب لحظة توقف لفهم ما يجري بالضبط، وطرح السؤال الذي ينبغي أن يطرح في كل مرة: هل تخوض إسرائيل صراعا مع فلسطين وفق ما يعرفه الجميع من أهداف؟ أم تريد بسط هيمنتها على باقي الدول المجاورة؟ قد يقول متسرع إن الجواب سهل، لكن بقليل من التأني والتفكير، يمكن الجزم بأن إسرائيل تغامر كثيرا بوجودها، حين تجنح إلى الحرب والدماء والأشلاء والقتل الممنهج، بينما يمنح لها "السلام" والأمن" على طبق من ذهب. لقد جربت أنظمة وكيانات ودول ومجموعات عقدية وعسكرية جبارة، عبر قرون بعيدة، أن تفعل ما تفعله، اليوم، إسرائيل، وربما بوسائل وأدوات قتل وإبادة أكبر مما نشاهده الآن، لكنها فشلت في اللحظات الحاسمة، وفي المواعيد الكبرى مع التاريخ وفي الحقيقة الإنسانية المطلقة، المبنية على التعايش والعيش المشترك، وعلى السلام في أجل معانيه. لذلك، حين يطلب العالم من إسرائيل أن تقبل بدولة بجانبها معترف بحدودها واستقلالها وسيادتها وبعاصمتها، فإنما يطمح إلى أن يظل السلم موجودا، ويسمو التسامح والتعايش على باقي أنواع الكراهية والتمييز والدمار، الذي سيبقى ذكرى مقيتة في التاريخ. وفي وقت كان الجميع يعتقد أن الحرب المشتعلة في غزة تسير إلى نهايتها، رغم الصعوبات، فتحت إسرائيل جبهة جديدة من الصراع، وهذه المرة ضد دولة تبذل مجهودات جبارة وتسخر جميع إمكانيتها وأطرها وبنياتها من أجل إيجاد تسوية، وعودة الهدوء إلى المنطقة. إن ما اقترفته دولة الاحتلال، قبل أيام، هو أقرب إلى الجنون، أو إطلاق الرصاص على الأقدام، بعد أن أثبتت الوقائع، منذ 7 أكتوبر 2023، أن التفاوض والحلول لا يمكن أن تمر دون مفاوضين ينتمون إلى غزة نفسها. وفي انتظار ما ستسفر عنه القمة العربية والإسلامية الطارئة في الدوحة، لا يمكن، مرة أخرى، سوى التنويه بالموقف الدبلوماسي والسياسي المغربي، وبالمضمون الواضح لبلاغ وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، الذي صدر، مباشرة عقب الاعتداء. التنويه، أيضا، بالتصريحات المتزنة لوزير الخارجية (ناصر بوريطة)، الذي أكد أنه بدون دولة فلسطينية لا يمكن أن يتحقق الاستقرار بالمنطقة، وكل الإجراءات والتدابير التي تصب عكس هذا الاتجاه لا تزيد إلا في إحداث التوتر والكراهية والتطرف، مشددا على أن المغرب يعتقد أن السلام هو الخيار الإستراتيجي، وأن المفاوضات هي الإطار، وأن حل الدولتين هو الأفق، وأن الدولة الفلسطينية هي الشرط الأساسي لإقامة سلام دائم في الشرق الأوسط. دون ذلك، سنظل ندور في حلقة مفرغة. في حرب لن يخرج منها أحد رابحا.