محمد الشمسي * إثر خلاف بين زوجين لهما أبناء يتابعون دراستهم في مدرسة عمومية، غادرت الزوجة بيت الزوجية متهمة زوجها بتعنيفها، واصطحبت معها الأبناء... ولأن بيت أهل الزوجة بعيد عن بيت زوجها ولأن موعد الدخول المدرسي قد حان وبسبب الاحتقان بين الزوجين فقد قررت الزوجة تنقيل ابنائها من مدرستهم بقرب بيت الزوجية إلى مدرسة عمومية أخرى قرب بيت أهلها، لكنها عجزت عن تحقيق مرادها، لأن زوجها هو وحده الذي يملك سلطة الحصول على شهادة مغادرة الأبناء مدرستهم نحو مدرسة أخرى... المواجهة بين الزوجين على أشدها، الزوجة تلوح بورقة الطلاق وبشكايات تتعلق بالعنف، والزوج يرد عليها بمزيد من إهمالها وعدم السؤال عنها وعن أبنائه الذين لم يرهم طيلة فصل الصيف، وأمسك عن الإنفاق على الجميع. هذا الزلزال الذي ضرب هذه الأسرة يهدد ارتداده مستقبل الأطفال المتمدرسين. بالرجوع لأحكام الولاية في الإسلام فليس فيها حكم قطعي معلوم من الدين بالضرورة، وجل ما قيل في إسناد الولاية للأب دون الأم لا يعدو أن يكون فقها ووجهات نظر من يسمون ب»أهل العلم» وهي وجهات نظر تتقادم بتقادم زمنها، وتختلف باختلاف أهلها وبيئتها، وطبعا لكل زمن «أهل علمه»... ولأن المناسبة شرط، فإننا أمام مناسبتين، الأولى هي هذا الاستشكال العويص ومثله كثير الذي يهدد مستقبل أطفال لا خطيئة اقترفوها غير تنازع أبويهم، واستغلال الأب للولاية سلاحا للانتقام من الأم، والمناسبة الثانية هي السعي الجماعي للدولة قصد تعديل مدونة الأسرة... ورفعا لكل لبس فإن المصلحة الفضلى للأطفال تقتضي إخراجهم من كل هذه المسارب والأنفاق، لتكون الولاية للأبوين معا في الآن نفسه، أيهما حضر لتحقيق مصلحة للطفل «يقضي الغرض» على أن يتم عرض كل شنآن أو اختلاف أمام المحكمة الأسرة التي يتوجب عليها أن تفصل فيه في أجل يراعي مصلحة الطفل... سيكون من المجحف ترك مصير الأطفال مرتبطا بما ستسفر عنه مواجهات الأبوين، وسيكون من الجور تحميل الأطفال تبعات سوء التفاهم المتفاقم بين والديهم، لذلك على المشرع أن يتدخل ليس فقط بتعديل مدونة الأسرة بل قبل ذلك باستصدار أحكام قضائية تتسم بالشجاعة والحكمة والسداد وتلزم المدارس عمومية كانت أم خصوصية بتسليم شهادة المغادرة لكل أم أثبتت الجدوى من حصولها على تلك الوثيقة، ولا يراعي في ذلك إلا ما يخدم مصلحة الطفل أولا وأخيرا... وحبذا لو يتم تجاوز شرط شهادة المغادرة عن طريق تدخل المديريات الإقليمية لوزارة التربية الوطنية التي تتكلف بتسلم ملف كل تلميذ من إدارة مؤسسة المغادرة، وتسلمه لإدارة مؤسسة الالتحاق، وتعفي الجميع من «صداع» شهادة لا تعني في مضمونها سوى أن تلميذا غادر المدرسة... * محام وروائي