عبد الواحد كنفاوي عرفت الاعتمادات المخصصة للاستثمار العمومي زيادات متتالية، خلال السنوات الأخيرة، لتصل نسبتها إلى 32 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، ما يعد مستوى جيدا، يتوقع أن يساهم في تحقيق الإقلاع الاجتماعي المنشود. لكن رغم الارتفاع الملحوظ في نفقات الاستثمار، تظل مردوديتها محدودة وتأثيرها على التنمية الاجتماعية غير ملموس بالقدر الكافي والمطلوب، ما يطرح التساؤل حول الأسباب التي تحد من فعالية المجهود الاستثماري للقطاع العام. وهكذا نجد أن ميزانية الاستثمار العمومي انتقلت في خمس سنوات الأخيرة من 230 مليار درهم إلى 340 مليارا، ما يمثل زيادة بنسبة 47 في المائة، لكن المردودية تظل ضعيفة، إذ أن المعامل الهامشي لرأس المال (ICOR)، الذي يمثل نسبة الاستثمار الإضافية اللازمة لتحقيق نقطة نمو إضافية للناتج الداخلي الخام، يصل بالمغرب إلى 9.4، ما يعني أن المردودية ضعيفة، لأنه كلما كان المستوى مرتفعا تكون المردودية ضعيفة، علما أن هذا المؤشر لا يتجاوز 6.5 في تركيا و4.7 في مصر. ورغم ارتفاع الاعتمادات المخصصة للاستثمار العمومي بشكل ملحوظ، فإن ذلك لم ينعكس على معدل النمو وتوفير مناصب الشغل، ما يعني أن هناك خللا تتعين معالجته بالسرعة المطلوبة لتفادي هدر المال العام دون تحقيق الأهداف المتوخاة. بداية يتعين التدقيق أكثر في تصنيف النفقات، إذ أن هناك بعض الاعتمادات التي تصنف على أنها مخصصة للاستثمار، في حين أنها لا تدخل في هذه الخانة، ما يرفع الحجم الإجمالي لنفقات الاستثمار على الورق، وغالبا ما تستغل أحزاب الأغلبية الحكومية ذلك في دعايتها السياسية، لكن دون أن يكون لذلك أثر ملموس في الواقع، كما يجب ضمان شفافية أكبر في بيانات ومعطيات المالية العمومية. ومن المطلوب التوفر على رؤية واضحة حول الأولويات الوطنية واعتماد إطار موحد للتنسيق بين مختلف القطاعات الوزارية، بما يضمن نجاعة أكثر في برمجة المشاريع وترشيدا للنفقات. كما يجب التوفر على آليات تقييم مردودية الاستثمار بشكل دقيق، لانتقاء أفضل المشاريع والبرامج الاستثمارية، وتحفيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، لضمان فعالية أكثر في الأداء. ويتعين، أيضا، ربط المسؤولية بالمحاسبة في ما يتعلق بنفقات الاستثمار، على غرار مختلف أوجه صرف المال العام، إذ لا يمكن التسامح مع المسؤولين الذين يهدرون المال العام على مشاريع معلوم مسبقا أنها دون جدوى. لقد حان الوقت للتحول من المقاربة الكمية والورقية للاستثمار إلى منطق الإنفاق النوعي والفعلي، الذي يركز على العائدات الحقيقية للمواطنين. فالاستثمار العمومي ليس رقما على ورق الميزانية، بل يتعين أن يشكل جسرا للتنمية، وأن ينجز على أسس صلبة من الحكامة والشفافية والكفاءة، ليحقق أهدافه المتمثلة في بناء مغرب أكثر ازدهارا وعدالة ورفاهية، ما يجعله استثمارا حقيقيا وليس ورقيا.