بقلم: الفاضل الرقيبي بينما تسارع الدول الإفريقية إلى ابتكار حلول عملية لمعضلاتها التنموية، وتراكم خطوات جدية على درب الاندماج الاقتصادي والتكامل الإقليمي، وبينما يشق المغرب طريقه بخطى واثقة نحو مستقبل تنموي واعد، يحول مختلف جهاته، وفي مقدمتها أقاليمه الجنوبية، إلى وجهات إستراتيجية، تستقبل الاستثمارات الكبرى والمشاريع المهيكلة في مجالات التكنولوجيا الدقيقة، والهيدروجين الأخضر، والموانئ الذكية، والفلاحة المستدامة، تصر الجزائر، مرة أخرى، على الاصطفاف خارج الزمن التنموي للقارة، مفضلة اعتناق العبث السياسي على الانخراط الجدي في دينامية التحول الإفريقي. لقد بلغت هذه العزلة عن الواقع مداها، حين اختار النظام الجزائري أن يجعل من نفسه أضحوكة أمام الأفارقة، في مشهد كاريكاتوري بامتياز، وهو يستعرض "منتوجه" السياسي المتآكل، من خلال استدعاء إبراهيم غالي، زعيم كيان مسلح، لا صلة له لا بالتنمية الاقتصادية، ولا بمشاريع الاندماج الإفريقي، لحضور فعاليات المعرض الإفريقي للتجارة البينية، المنعقد بالجزائر العاصمة، ابتداء من الخميس الماضي، بشكل كشف بالملموس عمق العطب في عقل السلطة بالجزائر، والتي لا تتقن سوى الركوب المناسباتي على المحافل القارية والدولية. ففي مشهد عنوانه الأبرز هندسة التضليل، يتحول معرض إفريقي للتجارة البينية، يفترض فيه أن يكون منصة للتبادل والتكامل والتنمية، إلى واجهة ممسوخة، لتلميع صورة كيان وهمي، يدرك العالم، اليوم، أنه لا يعدو أن يكون مجرد ميليشيا مسلحة تراكم الثروات من سرقة المساعدات الإنسانية الموجهة لصحراويي المخيمات، وتعتاش من اقتصاد التهريب والاختطاف. فبأي صفة يشارك إبراهيم غالي في تظاهرة قارية تهتم بالتجارة البينية؟ هل بصفته زعيما لعصابة ذاع صيتها بين شبكات تهريب المخدرات والأسلحة والاتجار في البشر بدول الساحل والصحراء؟ وأي خبرة يمكن أن يقتسمها الرجل مع غيره، غير دروس في كيفية تحويل المدنيين إلى رهائن لأجندات التخريب بالمنطقة، وتأبيد معاناتهم ليصبحوا رأسمالا سياسيا خبيثا، وجعل الجريمة المنظمة فرصة للاغتناء غير المشروع؟ وكأن الجزائر، بذلك، تؤكد بشكل ضمني، أن علاقتها بالقارة الإفريقية قائمة على بيع الأوهام لا تبادل المصالح، وعلى تصدير الفشل لا مشاركة النجاح. فبدل أن تقدم نماذج من ريادة الأعمال، إن وجدت، أو ابتكارات شبابية تخدم تدفقات التجارة بإفريقيا، ارتأت أن تفوت الفرصة، مرة ثانية، وتجعل من معرض التجارة البينية مشهدا متجددا من مشاهد الاستخفاف المعلن بذكاء الأفارقة، ومحاولة فاشلة لتمرير الوهم في قالب اقتصادي، لا يقنع حتى جمهور الداخل الجزائري، الذي بات يدرك بأن خيرات بلاده تستنزف سياسيا في معارك عبثية خاسرة. ويرى سكان المخيمات أن استضافة "اغويلي" بالجزائر تؤكد بالملموس أن "متلازمة المغرب" تظل العنوان الأبرز للسياسات الجزائرية المفضوحة؛ فكلما أطلق المغرب مبادرة كبرى، في مجالات البنية التحتية أو الطاقة النظيفة أو الربط القاري، تسارع الجزائر إلى محاولة تقليدها أو قرصنتها، من دون أن تملك القدرة على التفعيل أو التنفيذ، فتسقط في العجز ذاته الذي لازمها منذ عقود. وإذا كان كبار قادتها، في الماضي، من بومدين إلى بوتفليقة، لم يخفوا اعترافهم بعبقرية المدرسة المغربية، وقدرتها على الإبداع والسبق، فإن الخلف لا يزال حبيس عقدة مرضية تجاه هذا الواقع، الذي يحاولون تزييفه بتصريحات إنشائية جوفاء. وآخر الأمثلة ما صرح به عبد المجيد تبون حين تحدث عن فتح بوابة للبلدان الإفريقية نحو المتوسط، وكأن دولة مثل الجزائر تعاني عزلة دولية حادة وغارقة في البيروقراطية والعجز التنموي، يمكن أن تكون جسرا قاريا نحو العالم. وفي لحظة كهذه، لا بد من طرح الأسئلة الحارقة التي لا تجد لها صدى في الإعلام الجزائري الرسمي الموجه: فكم من فرصة استثمارية إستراتيجية فوتها النظام الجزائري على بلاده بسبب تمسكه المرضي بصنيعته "بوليساريو"؟ وكم من مشروع تنموي حيوي أُجهض، أو تم تأجيله، لأن الجزائر اختارت منطق العداء للمغرب على حساب منطق المصالح المشتركة والمستقبل المشترك؟ تلك في الواقع أسئلة ضاغطة، أصبحت تفرض نفسها على نخب الجزائر، اليوم، في مواجهة منظومة تمعن في إصرارها على الترويج لكيان وظيفي أثبت محدوديته، وتحرم نفسها بذلك من شراكات واعدة، بل وتعمق عزلتها الإقليمية والدولية، وتفوت على الجزائريين إمكانيات حقيقية لتحقيق التنمية والاستقرار، خصوصا بعدما اتضح جليا أن الكيان الانفصالي لم يعد ورقة ضغط، بل بات عبئا مزمنا يكلف الجزائر خسائر سياسية واقتصادية متراكمة.