< د. خالد الحري حجز المغرب مقعده، مبكرا، في نهائيات كأس العالم لكرة القدم 2026، للمرة الثالثة تواليا، وهي سابقة بالنسبة إلى دولة إفريقية وعربية، تواظب على هذا الاستحقاق بشكل منتظم، في لعبة صممت للكبار. ورغم ذلك، لم يخرج المغاربة إلى الشوارع للاحتفال فرحا بهذا الإنجاز، (كما قد تفعل دول أخرى إذا تحقق لها ذلك)، لسبب بسيط أن سقف الطموحات أضحى أكبر من مجرد عبور إلى "المونديال"، بل إلى التنافس على الرتب الأولى. هذا السقف العالي بلا حدود، هو الذي رآه ملايين المشاهدين، حين أزال المغرب الستار عن واحدة من أيقونات الإبداع الهندسي والتقني، والإتقان العلمي والتكنولوجي، وعرض بالصوت والصورة والألوان منجز المركب الرياضي مولاي عبد الله في حلته الجديدة على العالم، إذ صدق البعض ما رأت عيناه، بينما شرد "آخرون" في دروب الجنون والهلوسة. ففي هذه الليلة، لم يقدم المغرب منتخبا وطنيا عالميا، وكفاءات وخبرات في التدريب والتكوين والتأطير، ومدرسة رائدة في كرة القدم، بل عرض أوراق اعتماده في نادي الكبار، وأبطال البنيات التحتية الرياضية، بأرقام قياسية جديدة في الإنجاز والكلفة المالية والخبرة واحترام المعايير والقواعد المؤطرة لهذا المجال. فمنذ سنوات، ربحنا منتخبات وطنية بفضل مسيرة من التراكم والصبر والجهد، وكثير من التضحيات، قادها رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، أما اليوم، فقد انتقلنا إلى الخطوة الأهم، أي تقديم المغرب، منافسا عالميا في البنيات التحتية العملاقة (جزء منها هو الملاعب)، وشريكا أساسيا لا يبيع الكلام، بل يترجم الأحلام إلى حقائق. لقد شاهد ملايين المتابعين في العالم (15 مليونا فقط من الجزائر) أيقونة إفريقية اسمها المركب الرياضي مولاي عبد الله، بشكله وهندسته وحجمه ومرافقه ونوعية التجهيزات، بعد إعادة تأهيله في زمن قياسي لم يتجاوز 14 شهرا، وبسواعد مغربية خالصة. وبات الملعب اليوم ضمن فئة الملاعب الذكية عالميا، بسعة أكثر من 68 ألف متفرج، وبأنظمة تكنولوجية متطورة لإدارة الجماهير وعشب هجين وشاشات "ليد"، عملاقة وأنظمة بيئية مستدامة للطاقة والمياه. ولعل ما يميز هذا الإنجاز أن المغرب حققه بسرعة وفعالية تفوق مشاريع مشابهة، مثل ملعب "لوسيل" بقطر الذي استغرقت الأشغال به ست سنوات، وملعب "ويمبلي" بلندن، الذي تطلب سبع سنوات، وغيرها من الأمثلة الأخرى. ولم يكن هذا النجاح ليتحقق لولا المجهودات الاستثنائية لفوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، الذي التزم بالربط بين النتائج على المستطيل الأخضر والتخطيط للبنيات التحتية على المدى الطويل. لقجع، الذي تحول إلى علامة جودة وتميز في إفريقيا، ومعه والي جهة الرباط سلا القنيطرة، ومسؤولو القطاعات الحكومية والإدارات الترابية والأمنية والشركات المغربية، كل في مجال تخصصه، جعلوا من الحلم حقيقة في ليلة عرس مغربي. رجال لا يطرق النوم جفونهم، إذ رابطوا بالمركب الرياضي ساعات بعد انتهاء المباراة، وانصراف الجماهير من أجل التقييم الأولي، والوقوف على بعض الملاحظات، من أجل تجاوزها في المناسبات المقبلة، حتى تكتمل حلقات الانتصار في أبهى صوره. انتصار لجميع المغاربة، يحق لهم أن يرفعوا الرأس عاليا، ويفخروا بذلك.