يوسف الساكت الحياة كانت شديدة البساطة، مثلها مثل الدخول المدرسي الذي كان يشبه أجواء بداية الثمانينات الموغلة في "النية". لم تكن المكتبات انتشرت بالعدد المخيف التي عليه اليوم، ولم نكن نعرف غير دكان "خالي أحمد"، حيث تختلط رائحة الزيت والسكر والشاي برائحة الورق والحبر والطباشير الأبيض. خالي أحمد، جارنا في المنزل المقابل، لم يكن مجرد بقال، كان صديقا للأطفال ورفيق أسرارهم الصغيرة، يستقبلنا بابتسامة هادئة وكأنه يعرف أن ما بين أيدينا ليست مجرد أوراق، هي أحلام تشبهنا، وأمنيات شديدة الصغر. نسلمه الورقة الصغيرة التي كتبت على عجل بخط متعثر، فيها لائحة لوازم صغيرة تضم دفاتر قليلة وقلما أزرق وآخر أحمر وآخر من رصاص، وممحاة وعلبة طباشير وممسحة. يقرأ خالي أحمد الورقة من تحت نظارته السميكة، ثم ينحني خلف الطاولة ليخرج ما يشبه الكنوز (دفاتر خضراء بخطوط زرقاء وأقلام خشبية بسيطة، ممحاة صغيرة بنصفين أبيض وأزرق ولوحة سوداء خشبية). نتابع حركة تجميع "العدة المدرسية" من خلف "الكونطوار"، ونتطاول بأجسامنا الصغيرة، حتى نرى ما يفعله خالي أحمد، ويفترسنا الفضول من أين يأتي بكل تلك الأشياء الجميلة والملونة، ومن يحملها إليه من مكان بعيد إلى مدينة على ضفاف التراب. يعيدنا "خالي أحمد" إلى اللحظة، وهو يضع لوازمنا في كيس ورقي، ويعيده إلينا دون أن يسأل عن الثمن، لأنه يعرف أن الوالد سيتكلف بذلك، حين يعود من العمل، أو حين يطلب منه أن يقيد ذلك في "كارني الكريدي". نخرج من الدكان بخطوات مسرعة، نحمل أكياسنا وكأنها مفاتيح لعالم جديد. وفي الطريق إلى البيت، كانت الفرحة تسبقنا، نتخيل شكل الدرس الأول، وصوت الأستاذ وهو يكتب بالطباشير على السبورة، ورائحة الكتب الجديدة تختلط بنكهة الخبز الساخن الذي يملأ الأزقة. لم تكن لدينا حقائب فاخرة ولا أدوات براقة، لكننا كنا نملك شغفا صادقا بالتعلم، وإحساسا بأن المدرسة هي الأفق الذي يمكن أن يغير مصيرنا. اليوم، حين نسترجع تلك اللحظات، ندرك أن البساطة لم تكن عيبا، بل كانت هي التي منحت الأشياء قيمتها. دفتر واحد كان يكفي ليشعل فينا رغبة الكتابة، وقلم واحد قادر على أن يرسم ملامح الحلم. أما الحاج أحمد، فكان أكثر من بقال، كان حلقة وصل بين الفقر والأمل، بين الواقع والحلم، بين جيل عاش بالقليل، وحمل على عاتقه الكثير.