يوسف الساكت كان بشير طفلا، في بداية الفرح، يبحث عن لحظة صيف جميلة، وسط أجواء موسم تملأ أجواءه رائحة البارود، ويتسلى وسط الأسواق وحلقات الفن ويستمع ليلا إلى الموسيقى. ترك بشير والدته المريضة في منزل بمدينة التراب وذهب إلى الجديدة رفقة أصدقاء في سنه، ومنها إلى جماعة مولاي عبد الله، حيث كان يضرب موعدا مع راحة مستحقة بعد عناء موسم دراسي. ضحك بشير وركض بين الخيام، وامتلأت عيناه ببراءة الطفولة، دون أن يعلم أن خلف صخب الموسم وطلقات "المحاكل" و"ندهات" المقدمية وإيقاع الكمنجات والطبول، أنيابا تنتظر لحظة الانقضاض. فجأة، وجد بشير نفسه محاصرا في خيمة، منزوع الإرادة، بلا قوة ولا سند، أمام وجوه بشرية تحمل ملامح وحوش ظلت تتبرص به منذ انطلاق السفر والفرح. في تلك اللحظة، جرد بشير من شعوره بالحرية. أحس أن جسده لم يعد ملكا له، وأن صرخاته ترتد في فراغ موحش. هنا تبدأ سيكولوجية الضحية من لحظة الانكسار والضعف وعدم القدرة على الصد والدفاع، هذا إذا ثبت، من خلال التحقيق، أن الفاعلين لم يستعملوا مواد مخدرة لشل حركة الصغير وتنويمه حتى يزين لهم الشيطان شر أعمالهم. صدمة لا يصدقها عقله الصغير وخوف يتضاعف مع كل لمسة عنيفة وإحساس قاتل بالعجز. فالطفل الذي كان يرى العالم واسعا وآمنا وجميلا ورحبا، ضاق عليه فجأة حتى صار زنزانة مظلمة. أما المعتدون، فلم يبحثوا عن لذة عابرة بقدر ما كانوا يفتشون عن إثبات سطوة. داخلهم فراغ قاتل وشعور بالنقص والدونية، يترجمونه إلى فعل وحشي. سيكولوجية بئيسة تتأسس على مرض السيطرة، وتسيطر حين تتمثل الضحية على هيأة كائن ضعيف ومنزوع الكرامة ليشعر المعتدون بالقوة أكثر، ما يؤكد في كل مرة، بأن المغتصب في جوهره ليس إلا كائنا مهزوما، يحمل داخله عجزا عميقا يحاول إخفاءه بعنف مفرط. وبين مغتصِب مهزوم داخليا، ومغتصَب مكسور خارجيا، يولد جرح يتجاوز اللحظة، لأن بشير لن ينسى بسهولة، والحادث، مهما شفي منه، سيتحول إلى ندب غائرة، يذكره بأن العالم قد ينقلب في لحظة. قصة بشير ليست قصة طفل واحد.. هي صرخة في وجه "وحوش" آدمية تتغذى على العجز الجماعي. فكلما غاب الردع، وعم التساهل، ستظل براءة الأطفال مهددة، وستكرر قصص مثل قصة بشير.