حياة مغاربة ما قبل التاريخ1 يجمع الباحثون في الأركولوجيا أن الإنسان العاقل بالمغرب ظهر قبل 300 ألف سنة من الآن. وأنه تميز بحضارة غنية واستطاع تنظيم حياته. وبمناسبة الصيف تجمل «الصباح» انطلاقا من كتاب «تاريخ المغرب القديم من ظهور الإنسان العاقل إلى الفتح الإسلامي» لمؤلفه امحمد جبرون، ما تميز به مغاربة ما قبل التاريخ، الذي أظهرته الدراسات انطلاقا من أبحاث جبل إيغود باليوسفية ومغارات الهرهورة وتافوغالت ببركان وبليونش ضواحي طنجة والمناصرة بالقنيطرة وسيدي عبد الرحمان وطوما ودار السلطان بالبيضاء و"إيفري نعمار" بالناظور وغيرها... إنجاز: عبد الحليم لعريبي يعود ظهور الإنسان على وجه الأرض بصفة عامة إلى حوالي ثلاثة ملايين سنة قبل الحاضر، أي إلى الفترة التي سبقت العصر الجليدي قبل حوالي مليونين وستمائة ألف سنة. وتشير أقدم الحفريات في هذا الباب إلى نوع الإنسان الماهر الذي عثر على بقاياه في أثيوبيا وجنوب إفريقيا...، ثم ظهرت أنواع أخرى بعده في أنحاء متفرقة من القارة الإفريقية وخاصة في الجنوب والجنوب الشرقي، وتعتبر أغلب الأبحاث المنجزة في هذا المجال القارة الإفريقية مهد الإنسان وبيئته الأولى. ويوجد شبه إجماع بين الباحثين وعلماء الطبيعة والأنتروبولوجيا أن مهد الإنسان العاقل هو جنوب وشرق إفريقيا ومنها انتشر في باقي القارة لإفريقية بما فيها المغرب ثم بقية العالم وذلك حوالي قبل 200 ألف سنة. لكن الاكتشافات الأثرية الأخيرة التي سجلت في الموقع الأثري بجبل إيغود الذي يقع جنوب شرق آسفي وذلك على بعد 70 كيلومتر وبالضبط في إقليم اليوسفية حاليا زحزح هذه القناعات وأعاد النقاش حول أصل الإنسان العاقل إلى الواجهة. ويكشف كتاب تاريخ المغرب القديم من ظهور الإنسان العاقل إلى الفتح الإسلامي، أن التنقيب والبحث في موقع جبل إيغود ليس جديدا بل يعود إلى 1961 حيث تم اكتشافه صدفة أثناء أشغال منجمية في المنطقة، غير أن الآثار التي عثر عليها آنداك لم تكن قديمة وذات دلالة كبيرة إن لم يكن تاريخها يتجاوز 40 ألف سنة. لكن الحفريات التي تم إنجازها في الموقع في السنوات الاخيرة ابتداء من 2004 كانت نتائجها مثيرة، إذ استطاع فريق من الباحثين بقيادة الفرنسي جاك هوبلين التابع لمعهد ليبزيغ الألماني من اكتشاف عظام بقايا بشرية وهي عبارة عن أجزاء ما وراء الجمجمة والأسنان والفك السفلي والعلوي والساق...، وأيضا بعض قطع الأدوات الحجرية التي تنتمي إلى العصر الحجري الأوسط (ما بين 280 ألف سنة و50 ألف سنة قبل الميلاد). وأفضى البحث العلمي لهذا الفريق بعد عملية تحليل وتدقيق تاريخي لهذه البقايا العظيمة واللقى الحجرية باستعمال أحدث التقنيات إلى نتائج مهمة وجديدة، من أبرزها أن هذه الآثار تتقاسم الكثير من الخصائص والميزات مع الآثار واللقى التي تتعلق بالإنسان العاقل المكتشفة في جنوب إفريقيا وشرقها وخاصة على مستوى شكل الوجه والأسنان. غير أنها من الناحية الزمنية أقدم منها، الشيء الذي جعل بعض الباحثين يستنتجون أن إنسان إيغود المغربي يعود إلى 300 ألف سنة "إن لم يكن هو الإنسان العاقل نفسه"، والذي يعتبر مستوى متطورا من الإنسان القديم الذي يعرف بالإنسان الحديث المبكر ولعله في أضعف التقديرات مستوى انتقالي نحو الإنسان العاقل. ويوضح كتاب المؤرخ امحمد جبرون إن آثار وحفريات جبل إيغود غيرت بشكل كبير من السردية السائدة بين جمهور الباحثين حول ظهور قصة الإنسان العاقل، وعززت الفرضية القائلة أن هذا النوع الإنساني الذي يعتبر إنسان اليوم امتداد له ظهر أساسا بإفريقيا، لكن ظهوره لم يأت بنتيجة تطور محلي محدود كالذي حصل في جنوب إفريقيا وفي شرقها قبل حوالي 200 ألف سنة، بل هو نتيجة تراكم عدة تطورات وتداخل وتزاوج بين أنواع الإنسان ما قبل العاقل والذي يعتبر في سياقها "الإنسان المغربي" مرحلة حاسمة ومبكرة من هذا التطور.