الزاولي... ذاكرة “الطاس” 1 الحلقات التالية ليست مجرد قصة فريق رياضي من أحياء البيضاء الشعبية، بل هي شهادة حية على زمن من الكفاح والكرامة، تروى على لسان من عاشها لحظة بلحظة، وورثها عن جيل مؤسس آمن بأن الرياضة يمكن أن تكون امتدادا للمقاومة ورافعة للوعي الجماعي. في هذه السلسلة يفتح عبد الكريم الزاولي، ابن المدرب والمؤسس الراحل العربي الزاولي، دفاتر الذاكرة ليروي، من قلب الحي المحمدي، سيرة الاتحاد البيضاوي، أو كما يعرفه الجميع بـ«الطاس». يحكي عبد الكريم الزاولي عن ذكريات «كاريان سنطرال» وملاعب البطولة الوطنية، والاجتماعات السرية للمقاومين، ولحظات التتويج والاعتراف، كما يعيد قراءة تاريخ فريق لم يكن مجرد ناد لكرة القدم، بل كان مشروعا اجتماعيا حمل على عاتقه هم سكان الحي المحمدي وتطلعاتهم، في ملحمة لا تنفصل عن هموم الوطن، وتختلط فيها التضحية بوهج النصر، وتتماهى فيها القمصان البيضاء مع صفحات مشرقة من تاريخ المغرب. لا يكتفي عبد الكريم الزاولي في هذه الحلقات، بسرد الأحداث، بل يعيد تشكيل الذاكرة، ويمنح للقارئ مفاتيح لفهم كيف ولد الفريق من رحم التهميش، وكيف صار رمزا للمقاومة، ومنبرا للمواهب، ومرآة لصوت الناس العاديين، في زمن كان فيه التميز شرفا لا يمنح لأبناء الأحياء الشعبية. خالد العطاوي يعود عبد الكريم الزاولي، نجل المدرب ورئيس فريق الاتحاد البيضاوي الراحل العربي الزاولي، إلى ذاكرته، ليسرد حكاية علاقته بالحي المحمدي قائلا: حين أتحدث عن الاتحاد البيضاوي، أو كما نسميه نحن أبناء الحي المحمدي "الطاس"، لا أروي فقط قصة فريق كرة قدم حمل قميصا أبيض وشعارا أحمر، بل أفتح صفحة من تاريخ طويل، مليء بالكفاح والتضحيات، والمجد الذي كتب بالعرق والدموع. إنها ليست حكاية ناد رياضي، بل سيرة حي بأكمله، ناضل من أجل أن يسمع صوته، ووجد في الكرة وسيلة لإعلان الوجود. فأنا عبد الكريم، ابن العربي الزاولي، الرجل الذي لم يكن مجرد مدرب أو رئيس، بل كان حارس الحلم الجماعي للحي المحمدي، ومعبرا عن رجالاته الذين رفضوا أن يكونوا على هامش الوطن. ولد الاتحاد البيضاوي من رحم المعاناة، إذ لم يكن التأسيس في 1947 قرارا رياضيا فحسب، بل كان موقفا سياسيا وإنسانيا، اتخذه والدي العربي الزاولي إلى جانب رجال قل نظيرهم: محمد العبدي، محمد الأخضر، وعبد الرحمن اليوسفي، الذي سيصبح لاحقا أحد رموز السياسة في المغرب. هؤلاء لم يكونوا رجال كرة، بل رجال فكرة، حملوا على أكتافهم مسؤولية إعطاء أبناء الحي صوتا وصورة في زمن كانت فرق أخرى تتقاسم النفوذ الكروي والإعلامي في البيضاء، ولم يكن أحد يعير اهتماما لحي شعبي مكتظ، اسمه الحي المحمدي، إلى أن جاءت "الطاس" لتغير المعادلة. لقد خاض المؤسسون المعركة الأولى ضد التهميش، إذ لم تكن هناك ملاعب ولا تجهيزات، فقط إرادة، وكانوا يجتمعون ليلا في بيوت متواضعة، يرسمون خطة التأسيس، ويجمعون ثمن الكرات من مساهمات السكان، ويقنعون أولياء الأمور بالسماح لأبنائهم بمزاولة كرة القدم، ففي وقت كان ينظر فيه إلى الرياضة ترفا لا يليق بالفقراء، نجح هؤلاء الرجال في فرض واقع جديد. لكن "الطاس" لم يكن مجرد ناد رياضي، بل كان واجهة نضالية حقيقية، ففي سنوات الحماية الفرنسية، كانت "كاريانات" الحي المحمدي مسرحا لتحركات سرية لرجال المقاومة، وكان الفريق هو الغطاء المثالي، فمن كان يتوقع أن اجتماعات اللاعبين والإداريين تخفي وراءها تحركات سياسية؟ لقد اعتقل بعض المؤسسين بسبب ارتباطهم بخلايا المقاومة، كما حدث مع محمد العبدي وأحمد بن الحاج، اللذين لم تكن مشاركتهما في الفريق سوى واجهة لنشاط أكبر بكثير. أتذكر جيدا ما رواه لي والدي ذات مساء، وهو يشير إلى صورة قديمة معلقة على جدار بيتنا، وقال: "هنا، يا عبد الكريم، لم نكن نلعب الكرة فقط، كنا نبني ذاكرة الحي". لقد كانت "الطاس" أول ناد مغربي يؤسس مدرسة كروية حقيقية، كانت بمثابة ورشة لتكوين الإنسان قبل اللاعب، خاصة أن المدرسة خرجت لاعبين حملوا مشعل الحلم إلى أندية أخرى، بل إلى المنتخب الوطني، وكان الاعتراف الملكي في السبعينات لحظة فارقة، حين دعا الملك الراحل الحسن الثاني لاعبي "الطاس" للإقامة في القصر الملكي، وخوض مباريات ودية مع الأمراء. كانت تلك دعوة ملكية اعترافا بكفاءة فريق وحي، وليس فقط بلاعبين. وفي فجر الاستقلال، بالتحديد موسم 1957-1958، سطر الاتحاد البيضاوي ملحمة تاريخية، حين أصبح من عمالقة الكرة الوطنية آنذاك، مثل الوداد و"الراسينغ" والفتح... لم تكن تلك نتائج الفريق رياضية فقط، بل كانت رسالة قوية من أبناء الحي المحمدي إلى كل من تجاهلهم: نحن هنا، ونحن قادرون.