محكيات شاوية مع حليفي 1 في كتابه "سطات.. في تأريخ مصير الأزل بالشاوية وما في الألواح الضائعة لممالك تامسنا" اختار الكاتب والروائي شعيب حليفي طريقة أخرى بين السرد الحكائي واليوميات ليكتب عن مدينة صغيرة اسمها "سطات" معيدا تشكيل صورتها وبنائها تخييليا انطلاقا من تاريخ تامسنا والشاوية والتفاصيل الصغرى للحياة والناس والفلاحين. واختار شعيب حليفي، صاحب روايات "زمن الشاوية" و"رائحة الجنة" و"لا أحد يستطيع القفز فوق ظله" و"أسفار لا تخشى الخيال"، تقسيم كتابه، الصادر عن منشورات القلم المغربي بالدار البيضاء، إلى نصوص تغوص في تاريخ المدينة والمنطقة، تختار لكم منها "الصباح" بعض الفصول المنتقاة. إعداد: عزيز المجدوب مدينة سطات، نقطة في ممالك الله، قلبُ تامسنا ورحاها القمحية المُهرّبة من صفحة سماوية إلى أديم ساخن. خلقها الله في البدء حينما كان الكون في اللازمن، سفينة تاهت، اختيارا وقدرا ومشيئةً، لآلاف السنوات. تاهت وطافت ثم استقرّت على ساحل البحر الأطلسي بين نهرين هما زوجان، من أب وأم، وُجِدَا منذ آلاف السنوات: أبو رقراق وأم الربيع الهاربان من نبعين مختلفين في الباطن إلى مصبّين نحو كفِّ الأطلسي الرخيّ امتدادا بين شالة وأزمور. مساحات على امتداد الروح، تسكنها الأسُود والذئاب وسائر الحيوانات المُفترسة، ولا مجال للمُدجّن والضعيف، على مساحة، ستسمى تامسنا، قبل أن يصبح اسمها منذ حوالي سبعة قرون، الشاوية. مدينة سطات، هي السفينة التي ستولد ولادة عمرانية جديدة باسمها الجديد، ابتداءً من القرن السابع عشر، بعدما كانت محطة للاستراحة بين تلين شاهقين وعيون مياه شافية، محاطة بكل أنواع الفواكه. أبناء تامزغا نحنُ شفويّون، شِفاهنا صحائف أريقَت عليها الكثير من الأحداث والحِكايات منذ الزمن السحيق، حينما عاش الأحرار الأمازيغ إلى جانب الأسُود المفترسة، يُروضونها، فكانوا شجعانا يبحثون عن الحياة مثل بحثهم عن الموت، فعرّاب العائلة في ممالك متناثرة هو الحاكم والقاضي ورجل الدين والمال، واحدٌ جمّاعٌ لكل السّلط والمسؤوليات، وهي الصورة التي ما زالت في الشاوية بتعديلات عصرية وطفيفة. هكذا، كانت سطات وسط رحى تامسنا، شتات وبعد عن حكام وقناصلة الرومان وكل القادمين من الشمال والشرق في حدود اللكسوس، هبوطا نحو شالة وما بعدها لاحقا. وحينما جاء عُقبة في غزوته الفاتحة وكل الغزوات التي تلتها، هبّت ريح جديدة ببخور روحانية رسمت للزمن دورة جديدة ستستمر إلى الفترة المرينية، حينما سيجري استبدال اسم تامسنا باسم الشاوية دون تبرير واضح، وكأن المسألة تتعلق بانتهاء خيال هذه الأرض التي عمّرتها إمارة البورغواطيين وانبلاج خيالات أخرى باسم الشاوية. كان على المؤرخين، وهم يؤرخون لما بُعَيْدَ الفتح الإسلامي، وخصوصا إمارة بورغواطة بتامسنا أن يؤدوا اليمين ثلاثا بقول الصدق في مراتب الحق والابتعاد عن كل فريّة ولو بالشبهة. ويهمني هنا، أن أخص بالذكر السادة بأسمائهم المشهورة: البكري، ابن عذارى، ابن حوقل، ابن خلدون، ابن الخطيب، ابن أبي زرع، الناصري، وصاحب الاستبصار؛ فما قالوه عن مملكة بورغواطة مليء بالتزيدات والتخيلات. مساندة جيش طارق بن زياد أما طريف بن مالك، مؤسس أول مملكة أمازيغية عربية بتامسنا، فقد طبعت حياته ثلاث مغامرات قدرية عجيبة، الأولى أنه قائد أول سرية استطلاعية إلى اسبانيا، أرسله موسى بن نصير سنة 710م (91 هـ) برفقة خمسمائة جندي، فجاءه بخبر إمكانية بدء فتح الأرض التي ستسمّى الأندلس لما يقارب ثمانية قرون. ويبدو أن طريفا كان، بالإضافة إلى شجاعته وشخصيته الكاريزمية، يتقن فنون اللسان والحرب، بحيث ساهم في الانتصار الرئيسي الأول بوادي برباط /شذونة من خلال دعمه ومساندته لجيش طارق بن زياد ( ولعلي أتخيل أنه كاتب خطبة طارق الشهيرة). بعد هذه المغامرة القدرية الأولى، وَهَبَهُ موسى بن نصير ضِياعا بوادي بَرْبَاط تخليدا لذكرى انتصار الفتح الأندلسي، إضافة إلى اسمه الذي سُميّت به جزيرة طريف التي دخلها مستطلعا. أما المغامرة الثانية، فترتبط به رفيقا للثائر ميسرة المطغري (أو المدغري) ضد ظلم بعض الأمويين وسلوكهم التمييزي بين العرب والأمازيغ من جهة، واختطافهم للمئات من الفتيات الأمازيغيات وتصديرهن إلى الخلافة الأموية من جهة أخرى. مما دفع بميسرة وطريف إلى قيادة جيش من الأمازيغ المسلمين لمحاربة الأمويين. غير أن معركة طنجة انتهت بقتل الثوار الأمازيغ لقائدهم ميسرة نتيجة فشله وأخطائه، وتولية خالد الزناتي. كان ذلك عام 739م (122هـ)؛ السنة التي سيعود فيها طريف إلى خلوته متفكرا ومتدبرا الترتيب لما سيأتي في مغامرته الثالثة، وذلك بإعلانه قيام إمارته: "مملكة بورغواطة"، مستفيدا من كبوات قائد كبير مثل ميسرة.