المدينة القديمة...ذاكرة تحت الهدم 5 نتطرق في هذه السلسلة لجزء من تاريخ المدينة القديمة بالبيضاء، بامتدادها العريق الذي يرسم معالم عاصمة اقتصادية بأكملها، قبل أن يطولها النسيان بتوالي عمليات الهدم والصيانة التي تعرفها المنطقة في الفترة الأخيرة. تزامنا مع برنامج إعادة الهيكلة، كان لزاما أن يتذكر البيضاويون تاريخ المدينة القديمة، الذي يحكي تلاقح ثقافات وأجناس وأحداث ووقائع خالدة، بل كانت هذه النقطة الجغرافية الصغيرة ملجأ لعدد من المغاربة في زمن ولى، نظرا لأهمية مينائها التاريخي والاقتصادي آنذاك. يوسف الساكت ظهرت الجالية اليهودية بالبيضاء، في 1830، واستمرت في التزايد إلى غاية القرن 20، إذ تجاوز عددها الآلاف. وكان الغرض من ولوج الجالية اليهودية للمدينة القديمة، هو ميناء البيضاء الشهير، بعدما أصيبت موانئ أخرى في مناطق أخرى بالركود، خاصة تلك التي توجد في المدن المجاورة. ساهم ذلك في انتعاش اقتصادي غير مسبوق للمدينة، خاصة بعدما أنشأ الوافدون مصانع وكالات تجارية ومشاريع كبيرة، وكان العمل يسير بسلاسة بين كل فئات سكان المدينة القديمة، المسلمين واليهود والمسيحيين أيضا. على غرار اليهود، تنامى عدد المسلمين وباقي الديانات بشكل متسارع، ليصل ذروته مع وصول الاستعمار الفرنسي، بل إن بعض القبائل من الشاوية ودكالة وتادلة وأمازيغ، قررت السفر والاستقرار بالبيضاء، بسبب الرواج الذي يعرفه ميناؤها وأهميتها الإستراتيجية، اقتصاديا وسياسيا. رغم هذا النشاط الاقتصادي، فلا يمكن نسيان ما حدث في القرن 19، إذ تسبب الجفاف في ركود اقتصادي كبير، شجع على الهجرة مجددا، خاصة إلى فاس والرباط، وهم نفسهم الذين عادوا بعد ذلك، وتملكوا عقارات وأنشؤوا محلات وزاولوا تجارة كبيرة في المدينة القديمة. من بين أبرز معالم المدينة القديمة، ساعة السور الشهير، التي تظهر في أغلب صور المدينة القديمة. تم بناؤها في بداية القرن العشرين، لكن بعد هدمها في منتصف القرن الماضي، أعيد بناؤها من جديد في 1994، ويبلغ ارتفاع برج الساعة، نحو 20 مترا. كان ناس المدينة القديمة القدامى، بـ"المنارة"، وكانت مقصدا للسياح الذين يتوافدون على البيضاء. كانت مركزا اقتصاديا كبيرا، ومكانا للترفيه والتسوق، بل كانت منطقة لا تنام، على غرار بعض فترات السنة في الفترة الحالية، خاصة في الصيف، إذ رغم تغير الرواج الاقتصادي واختلاف التجارة، لكن تبقى الأهمية الاقتصادية قائمة. هناك أيضا ساحة الأمم المتحدة، بباب مراكش امتداد لساحة باريس، التي بنيت في ثلاثينات القرن العشرين، واكتسبت شهرة كبيرة، حيث يطلق عليها السكان أيضا "الكرة الأرضية"، القريبة من فندق "حياة ريجينسي". مازال بعض التجار يعرضون متاحف وهدايا تاريخية في هذه الساحة، ولو أنهم طالهم المنع في الفترة الأخيرة وباتوا ينعتون ب"الفراشة"، و"مستعمري الملك العام"، بعدما اكتسبت المدينة صورة عصرية حديثة، إذ يرفض البعض مظاهر القدم والبدو والبساطة التي كانت عليها المنطقة في القرون الماضية. بدأت تجارة الملابس تشتهر في المدينة القديمة في بداية القرن 20، في شكلها الحديث، حتى بات "باب مراكش" مرجعا للبعض في اقتناء الملابس بأثمنة مناسبة. هناك من قارن بين سوق المدينة القديمة التاريخي، بأسواق عربية تاريخية توجد بالأردن وعمان وسوريا ولبنان. يأتيها التجار والسياح من دول مختلفة، عربية أو أوربية وآسيوية، إذ يكفي أن تزور بعض المحلات لتصادف صينيين ومصريين وسعوديين وأوربيين.