نساء رسمن ملامح المرأة 3 لقد لعبت المرأة في تاريخ الإسلام دورا محوريا في نشر الدين، ورسم ملامحه في مكة والمدينة. هؤلاء النساء لم يكن مجرد شخصيات تاريخية، بل كن نموذجا حقيقيا للصدق والإيمان العميق. تحمل كل واحدة منهن أسرارا عن الإسلام، وتوثق العديد من الأحاديث النبوية التي انتشرت وتواترت عبر الأجيال، حيث كنّ مراجع رئيسية في رواية الأحاديث. في هذه الحلقات نذكر بعض القصص والمواقف، التي تركت بصمة واضحة في حياة هؤلاء النساء الجليلات، واللواتي طبعت حياتهن بالعلم، والشجاعة، والتضحية، والإيمان. إنجاز: كريمة مصلي عرفت أسماء بنت عميس الخثعمية بنبلها وشجاعتها، وقدرتها على الصبر في أصعب الظروف. كانت امرأة عظيمة في تاريخ الإسلام، هي ابنة عميس بن معد بن الحارث الخثعمية، وأمها هند بنت عوف الكنانية، وكان لها دور بارز في فترة ما بعد الهجرة، حيث كانت من الصحابيات اللواتي أسهمن في بناء وتأسيس المجتمع الإسلامي. كانت أسماء أخت ميمونة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، وأخت لبابة أم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب. تزوجت أسماء في بداية الدعوة من الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب، الذي كان من أوائل من دخلوا في الإسلام، وكان أيضًا من المقربين إلى النبي صلى الله عليه وسلم. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفه قائلاً: «أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي»، وذلك لأنه كان يشبهه في الهيأة والخلق. عاشت أسماء وزوجها جعفر فترة في الحبشة بعد أن هاجر المسلمون إليها بسبب الاضطهاد الذي تعرضوا له في مكة. كانت فترة طويلة من الاستقرار، استمرت نحو خمسة عشر عامًا. خلالها، قام وفد من قريش بقيادة عمرو بن العاص، بمقابلة ملك الحبشة النجاشي، مطالبًا إياه بإعادة المسلمين إلى مكة. ولكن عندما سأل النجاشي المسلمين عن دينهم، جاء جعفر بن أبي طالب ليشرح لهم قائلاً: «كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا». استمرت حياة أسماء في الحبشة مع زوجها وأبنائها حتى جاء وقت الهجرة الثانية إلى المدينة المنورة. وعندما وصلت إلى المدينة، توجهت لزيارة أم المؤمنين حفصة، زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، التي كانت تقيم مع والدها عمر بن الخطاب. وعندما دخل عمر بن الخطاب وقال: «لقد سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم»، غضبت أسماء وقالت له: «لقد صدقت، كنتم مع رسول الله، تطعمون الجائع، وتعلمون الجاهل، بينما كنا نحن البعداء، الطرداء». ثم قررت أن تذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم لتُخبره بما قاله عمر، وكانت على يقين بأن مكانتها عظيمة في الإسلام. لكن اختبارا آخر كان ينتظر أسماء. فقد جاء يوم استشهاد زوجها جعفر بن أبي طالب في موقعة مؤتة، وكان الخبر مؤلما جدا للنبي صلى الله عليه وسلم، حيث دخل إلى بيت أسماء ليخبرها بذلك. قال لها: «يا أسماء، أين بنو جعفر؟» وعندما جاءت بهم، أخذهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبلهم وبكى، وأحست أسماء أن هناك شيئا ما قد حدث، فسألته عن زوجها فقال لها: «قتل جعفر اليوم». لم يكن الخبر سهلا عليها، لكنها بقيت صامدة، واحتسبت كل ما أصابها من ألم في سبيل الله.