بقلم: يونس مجاهد في يوم 25 يوليوز من السنة الجارية، حلت الذكرى العاشرة لوفاة الصحافي محمد العربي المساري، الذي تحمل، طيلة حياته، عدة مسؤوليات، دبلوماسية ووزارية، غير أن الصفة التي كان يتشبث بها، دائما، هي مهنة الصحافة، التي لم تفارقه حتى عندما كان يشغل المناصب الرسمية، لأنه كان يعتبرها زائلة، بينما الصحافة لا تزول. فكيف كان يفهم المساري هذه الصفة الدائمة؟ منذ أن بدأ المساري ممارسة هذه المهنة، اعتنقها عقيدة، لم تكن منفصلة لديه عن التزامه الوطني والنضالي، إذ لم ينظر إليها إلا أداة لتصريف قناعاته السياسية والفكرية، من أجل مغرب متحرر وديمقراطي، لذلك فالصحافة الأخلاقية، لم تكن بالنسبة إليه مطية للاغتناء، أو وسيلة للتقرب من أصحاب القرار، أو فرصة ذهبية للحصول على مكاسب مادية. وحتى عندما تولى حقيبة الاتصال، في حكومة عبد الرحمن اليوسفي، كان الأمر بالنسبة إليه استمرارا لمنهجيته في الحياة، وهو ما تحدثنا فيه آنذاك، إذ كنت نائبا له في الكتابة العامة للنقابة الوطنية للصحافة المغربية، قبل أن يغادر هذه المسؤولية للالتحاق بحفل تنصيب الحكومة. وأتذكر كيف كان يحدثني يومها عن البذلة السوداء التي اختارتها له أسرته، بنوع من السخرية، لكن الأهم هو أنه قال لي، "أنا ذاهب للحكومة، من أجل الدفاع عن مواقف النقابة". ويعلم الجميع كيف اصطدم حينها بالسلطة، عندما كان يحاول إدخال إصلاحات على القناة الأولى، ثم كيف تضايق من الإجراءات التي اتخذت ضد بعض الصحف، ما عجل برحيله عن حكومة التناوب، وعاد إلى صفوف النقابة، يحضر تظاهراتها وفعالياتها، كأي عضو من بين الأعضاء. واصل المساري عمله كاتبا صحافيا، متميزا، إذ أصدر عدة كتب ودراسات، حول قضايا مغربية، مستعينا بالأرشيف الذي بحوزته، إذ كان حريصا على تخزين الوثائق وتصنيفها، ما سمح له بأن يعتمد على مصادر دقيقة، في عمله العلمي. وكان يجمع في كتاباته بين الأسلوب الصحافي، السهل الممتنع، وبين صرامة الباحث والمفكر. وقد ساعده في عمله كاتبا صحافيا، اطلاعه الواسع، الذي هو ثمرة القراءة والبحث المتواصلين. أما عن أسلوبه في العمل، عندما كان كاتبا عاما للنقابة، فقد اتسم بالتواضع وحسن الإنصات، وبالديمقراطية في إدارته لهذه الهيأة المهنية، إذ كان يعقد اجتماعات أسبوعية، تقريبا، للمكتب الوطني، بجدول أعمال مفصل، عادة ما يتجاوز عشر نقاط، لأنه كان حريصا على عرض كل ما يهم هذه النقابة من قضايا وإشكالات، بكل شفافية، حتى في بعض القضايا شديدة السرية والحساسية، التي خاطبته السلطة فيها، لكنه كان لا يبقيها سرية، بل يعرضها للتداول. وطيلة المدة التي رافقناه فيها في قيادة هذه الهيأة، لم يتخذ أبدا أي قرار انفرادي، كما لم يحضر أي اجتماع مع مسؤولين حكوميين أو غيرهم، لوحده، بل كان دائما يصطحب معه وفدا عن قيادة النقابة، وهو الأمر الذي ساهم في تكوين جيل جديد من مسؤولي هذه المنظمة، وساعدهم على قيادتها بعد أن تولى حقيبة وزارة الاتصال. ومن المفيد أيضا أن نشير هنا إلى أنه هو الذي أشرف على تهييئ عملية التحول السلسة، رفقة الكاتب العام الأسبق، محمد اليازغي، في انتقال النقابة الوطنية للصحافة المغربية، تدريجيا من هيأة للناشرين إلى نقابة للصحافيين، بعد فترة تم فيها تقاسم الهياكل. وفي الوقت الذي كان يسعى فيه إلى تحضير جيل شاب من الصحافيين لمسؤولية النقابة، كان شديد الوفاء للجيل الذي سبقه من رواد الصحافة الوطنية، الذين اختار من بينهم لجنة آداب المهنة، التي كانت بمثابة هيأة حكماء، اشتغلت رفقته، على وضع أسس احترام أخلاقيات الصحافة، في فترة أخذت تظهر فيها ما سمي "صحافة الرصيف"، وفي عهدها، وضع أول مختصر لميثاق أخلاقيات، كان يكتب على ظهر بطاقة الانخراط في النقابة، لحث الأعضاء على الالتزام التلقائي والذاتي، هم قبل أي صحافي آخر، بتقديم نموذج في حسن السلوك تجاه زملائهم وتجاه المجتمع. وظلت هذه المبادئ الديمقراطية والأخلاقية، وقيم الوفاء والإخلاص، من بين أهم تقاليد النقابة، إلى عهد قريب، ما حافظ على توهجها، إذ كانت المثال في تعايش التيارات السياسية والفكرية والانتماءات القطاعية والجهوية، في إطار جامع متحد، عمل على تشييده جيل الرواد، الذين لم يكن همهم الحصول على المكاسب الصغيرة، بل ناضلوا للدفاع عن حرية الصحافة، وعن صناعة وطنية قوية للإعلام، وعن كرامة الصحافيين، وعن أخلاقيات المهنة، التي ما كانوا يتصورون يوما أنها ستنتهك من داخل هذا الإطار التاريخي. .