بقلم: الفاضل الرقيبي بعد دخول "بوليساريو"، ومعها المشروع الانفصالي برمته، في حالة موت إكلينيكي، فاقمته شيخوخة قياداته التاريخية، يسعى، اليوم، جنرالات بن عكنون إلى إعادة إنتاج منظومة جديدة، تحمل مواصفات الخنوع والفساد نفسها، التي طبعت عصابة الرابوني منذ نشأتها الأولى، من خلال مشروع توريث سياسي ممنهج للحكم داخل "بوليساريو"، من أجل ضمان استمرارية أبناء "الكتلة الصلبة"، في ريادة الجبهة، بهدف ضبطها والسيطرة على مفاصلها، خصوصا في هذه المرحلة الحساسة، التي تعرف فيها قضية الصحراء تحولات محورية، لا تصب في مصلحة النظام الجزائري، الذي يقف عاجزا أمام تساقط آخر أوراق مشروع كلف الخزينة الجزائرية مئات الملايير. هذا المسار التوريثي لم ينشأ صدفة، بل كان وليد سلسلة من الترتيبات، بدأت منذ لحظة انفراط عقد القيادة المؤسسة، وتسريب خلافاتها إلى العلن من خلال الخرجات الإعلامية للبشير مصطفى السيد ومحمد لمين البوهالي ومحمد لمين أحمد، وغيرهم. لكن بدل أن يأتي هذا التجديد عبر دينامية من داخل المخيمات، جاء من أعلى، وبإشراف مباشر من أجهزة الأمن الجزائرية، التي قررت أن الحل الأمثل لضمان ولاء "بوليساريو"، ليس في فتح المجال أمام طاقات شابة تهمها مصلحة صحراويي المخيمات، بل في إغلاقه بورثة تم اختيارهم بعد وفاة رجل الجزائر الأول، محمد عبد العزيز، الذي حكم الجبهة بالحديد والولاء المطلق للجزائر، إذ كان من الواضح أن الترتيب جار لحصر خلافة قيادة "بوليساريو" من داخل بيته. فقد كشفت تحركات الذراع الأمني بسكتور تندوف، الذي يدير تفاصيل الجبهة من خلف الستار، عن نية واضحة في الدفع بابنه الحبيب محمد عبد العزيز إلى زعامة "بوليساريو" في اللحظة السياسية المناسبة، التي بدأ التهييء لها بضرب مصداقية أي إطار بديل لإخراجه من دائرة السباق على رئاسة الجبهة، مع العمل على فرز أبناء القيادات التاريخية، الذين تعول عليهم ثكنة بن عكنون لإسناد لحبيب محمد عبد العزيز، في مشهد أقرب إلى توزيع الغنائم داخل عصابة كبيرة، تديرها المخابرات الجزائرية، حيث تم تعيينهم في أجهزة "بوليساريو" المركزية ومكاتبها في الخارج، ليس لأنهم الأكثر كفاءة، بل لأنهم الأكثر ولاء، وتم تدريبهم وتوجيههم كي يتحولوا إلى مفاتيح تحكم داخل جسد الجبهة، لتفادي ولوج أي صحراوي لا ينتمي لهذه "الأرستقراطية الثورية" إلى دائرة القرار، وضمان ألا تتحول "بوليساريو" إلى كيان يصعب التحكم فيه، كما حدث مع تنظيمات أخرى، خرجت عن خط صانعيها. وأمام هذا المخطط، ظهرت على السطح وجوه جديدة، هي في الحقيقة مجرد نسخ مصغرة من القيادات القديمة، فالحبيب محمد عبد العزيز أصبح أمينا عاما لـ "وزارة الدفاع"، ثم قائدا لما يسمى لواء الاحتياط، الذي كان يسيره القيادي محمد لمين البوهالي، في حين يتولى شقيقه الخليل محمد عبد العزيز منصب الممثل الفعلي للجبهة في مدريد، التي تعتبر من أبرز الساحات السياسية لوجود "بوليساريو". أما في نيويورك، فقد ظهرت ابنة القيادي بشرايا بيون ناطقة رسمية، في حين يتولى ابن محمد لمين البوهالي، المدعو إبراهيم غالي الصغير، مهمة إدارة "الأمن الرئاسي" وحماية زعيم الجبهة نفسه، بعد تلقيه تدريبا خاصا في الجزائر. أما أحد أبناء القيادي محمد مزين بوزيد، فقد أوكلت إليه مهمة تنسيق عمليات الصليب الأحمر الإسباني داخل المخيمات، وهو بالمصادفة أيضا زوج ابنة محمد عبد العزيز، المدعوة خيرة، ما يفتح الباب أمام شبكة معقدة من المصالح العائلية والأمنية والقائمة تطول، فهناك العشرات من أبناء القيادات، الذين تم زرعهم في مراكز أمنية ودبلوماسية وعسكرية، بهدف إحكام السيطرة على مفاصل الجبهة، وتأمين انتقال سلس للسلطة داخل الحلقة المقربة للمخابرات الجزائرية، بعيدا عن أي مساءلة تنظيمية. وهكذا، تحولت "بوليساريو" مما كان يسمى "حركة شعبية"، إلى شبكة سياسية مغلقة ومتعفنة، تحكمها العائلة و تديرها المخابرات الجزائرية، وسط صمت داخلي خانع، وخطاب خارجي ما زال يتحدث عن "التحرير" و"الشرعية"، بينما سكان المخيمات يدرون جيدا أن مشروع التوريث داخل "بوليساريو" ليس انحرافا عارضا، بل هو خيار إستراتيجي اختارته الجزائر للحفاظ، قدر الإمكان، على الجبهة أداة طيعة ضمن أجندتها الإقليمية، وهو مشروع لن يدفع سكان المخيم ثمنه من حاضرهم فقط، بل أيضا من مستقبلهم، الذي بات يختزل أكثر فأكثر في وراثة مناصب، لا في إيجاد حلول لأزمة إنسانية عمرت لأكثر من خمسين سنة.