بقلم: يونس مجاهد تخصص الإذاعة الوطنية الإسبانية برامج حول أحداث الاعتداءات العنصرية، الأخيرة، ضد المغاربة، في منطقة مورسيا، وبالتحديد في بلدة توري باتشيكو، حيث تنظم جماعات يمينية متطرفة عمليات مطاردة المغاربة في الأحياء التي يقطنون بها، إثر الاعتداء الذي تعرض له مواطن إسباني مسن، إذ يتهم شباب من أصول مغربية بهذا الفعل. وإذا كانت متابعة هذه الأحداث مسألة عادية من قبل الصحافة ووسائل الإعلام الإسبانية، خاصة أنها اتخذت أبعادا سياسية، إذ تم استغلالها من قبل اليمين المتطرف، وبالتحديد حزب "فوكس"، إلا أن ما استرعى اهتمامي أكثر هو العمل الذي تقدمه هذه الإذاعة، في إطار التربية على الإعلام، فقد كلفت فريقا من الصحافيين بالتحقيق في الفيديوهات التي تبث في مواقع التواصل الاجتماعي، وفي الصور والإشاعات التي تنشر حول هذه الأحداث، إذ يقدم الصحافيون المكلفون بالتحقيق مراسلات، باستمرار، تفضح زيف الكثير منها، وتبين أن هناك حملة كاذبة، منظمة من قبل المجموعات اليمينية المتطرفة، هدفها تأجيج الرأي العام الإسباني، وتحريض سكان المنطقة للاعتداء على المهاجرين. كما خصصت الإذاعة أرقام هاتف للرد على تساؤلات الجمهور بخصوص هذه الإشاعات، وأيضا لاستقبال الشهادات حول الفيديوهات والأخبار المضللة، التي مازالت تنشرها الجماعات العنصرية. وموازاة مع كل هذا العمل، فتحت نقاشا مع صحافيين ومختصين، حول دور شبكات التواصل الاجتماعي، محذرة من أنه لا ينبغي للجمهور أن يستقي الأخبار منها، بل من الصحافة ووسائل الإعلام، التي يشتغل فيها صحافيون محترفون، لديهم الخبرة للتحقق من الإخبار والكفاءة للتعليق عليها. تجدر الإشارة هنا إلى الدور الذي لعبته وسائل التواصل الاجتماعي في تأجيج الوضع، إلى درجة أن وزير الداخلية الإسباني، فرناندو غراندي مارلاسكا، أكد، في تصريحات للصحافة، أن الاعتداءات ارتكبت ضد المهاجرين، من قبل مجموعات منظمة، تكونت عبر شبكات وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما قامت بفضحه الإذاعة الوطنية الإسبانية، التي ذكرت أن هناك حجما كبيرا من الإشاعات المضللة، التي تنشر خطاب الكراهية والتحريض، في الوسائط الرقمية، ودعت المواطنين إلى ضرورة رفض هذا الخطاب. ومن المعلوم أن هذه الإذاعة تنتمي للقطاع العمومي، وما تقوم به يدخل في صميم وظيفتها مرفقا عاما، من واجبها أن تخبر المواطن بحقيقة ما يحدث، خاصة إذا تعلق الأمر بأحداث عنف عنصري، قد تتطور وتتوسع. وما فعلته هذه الإذاعة تجاوز مجرد الإخبار، بل امتد إلى التربية على الإعلام، وهي المهمة التي تقوم بها العديد من وسائل الإعلام، في البلدان الديمقراطية، كما هو الشأن في بلجيكا، حيث تلعب الإذاعة والتلفزة دورا كبيرا في كل ما يخص تربية المواطن، خاصة النشء، على التعامل مع شبكات التواصل الاجتماعي والوسائط الرقمية. وإلى جانب وسائل الإعلام العمومية، تم إحداث المجلس الأعلى للتربية على الإعلام، في بلجيكا، يتكلف بالعمل مع وزارات التربية والتعليم على تنمية قدرات الأطفال والشباب على التعامل مع الثورة التكنولوجية في التواصل. وبصفة عامة، هناك سياسات عمومية في العديد من البلدان الديمقراطية، للحد من الآثار السلبية للثورة الرقمية، لأنها تعتبر أن حماية المجتمع من هذه الآثار مسؤولية الحكومات، قبل أن تكون مسؤولية الأطراف الأخرى. ومن بين المؤسسات العمومية التي تتحمل المسؤولية، أكثر من غيرها، وسائل الإعلام العمومية، التي لا يمكنها تجاهل ما يحصل في مجتمعها، أو تتصرف كأنها ليست معنية. فالتربية على الإعلام، ينبغي أن تكون جزءا من الخدمة العمومية، التي تقع على عاتق المؤسسات التابعة للدولة، لأنها هي المسؤولة على تثقيف الجمهور والمساهمة في تربيته وتقديم المنتوج الراقي والجيد، وتخصيص حيز من برامجها وما تنشره وتبثه، لحماية المجتمع من مخاطر التضليل والأخبار الملفقة، والحملات اللاأخلاقية، وغيرها من مظاهر وآفات التواصل الرقمي، وشبكات التواصل الاجتماعي، بدل الافتتان بتكنولوجيات التواصل و"المؤثرين" والتفاهة.