عبد الواحد كنفاوي تدب الحياة في بعض المدن، خلال فصل الصيف، بعد أشهر من السبات العميق طيلة فترات السنة، بل يولد، في هذه الفترة من السنة، اقتصاد صيفي حيوي، يدفع بعجلة الرواج في القرى والمدن الساحلية الصغيرة. لا يتعلق الأمر باقتصاد الشركات الكبرى، بل هو نسيج من المهن الموسمية التي تمارس على الرمال وتحت الشمس الحارقة، وتشكل شريان حياة لآلاف الأسر التي تنتظر هذه الأشهر القليلة لتحقيق مصدر دخل يعينها على تكاليف العيش على مدار السنة. تتنوع هذه الأنشطة من بائع النعناع المنعش إلى صاحب "الشمسية" الذي يراقب البحر بعين حذرة، ومن مؤجر "بيت الكراء" الذي يفتح أبوابه للمصطافين، إلى بائع الذرة المشوية والمثلجات، تشكل في ما بينها شبكة من الأنشطة الاقتصادية غير مهيكلة، بكل تأكيد، لكنها بالغة الأهمية. هذه المهن، التي تبدو بسيطة في ظاهرها، هي في الحقيقة مصدر رزق لا غنى عنه لفئات اجتماعية واسعة، تتشبث بأمل أن يكون الموسم جيدا، لضمان قوتها اليومي ومواجهة تكاليف الحياة. وتكمن أهمية هذه الأنشطة الموسمية في أنها تفتح نافذة رزق لأشخاص قد لا تتوفر لهم فرص عمل دائمة، سواء كانوا طلبة يبحثون عن مصروف دراستهم، أو عمالا غير دائمين، أو أسرا تعتمد على هذا الدخل الصيفي، لمواجهة متطلبات الدخول المدرسي أو المصاريف الأخرى. إنها تساهم بشكل كبير في تنشيط الدورة الاقتصادية المحلية، وتعيد توزيع جزء من الثروة على سكان المناطق الساحلية التي تعيش على وقع السياحة الصيفية. لذا وبدل أن يتم التضييق على ممارسي هذه المهن الموسمية وملاحقتهم في الشواطئ والمناطق المجاورة لها، على السلطات أن تعتمد مقاربة جديدة، لأن هذه الأنشطة، أحببنا أم كرهنا، تعد فرصا ذات أهمية قصوى ولا محيد لها بالنسبة إلى فئات واسعة من المجتمع أنهكها الغلاء ولم تعد قادرة على مجاراته. إنه اقتصاد يستحق أن ينظر إليه بعين الاهتمام، ليس باعتباره ظاهرة صيفية عابرة، فحسب، بل جزء أصيلا من النسيج الاجتماعي والاقتصادي، ومثالا واضحا على قوة الإرادة والتغلب على قسوة الظروف. الجماعات الترابية مطالبة بتبسيط إجراءات الحصول على تراخيص مؤقتة للمهن الموسمية، إذ يمكن إنشاء منصة إلكترونية لتقديم الطلبات والحصول على التراخيص في وقت قياسي، مع تحديد رسوم رمزية، ما سيمنح العاملين شرعية ويحميهم من الابتزاز أو المضايقات. كما يمكن إصدار بطاقة تعريفية للعاملين في هذه المهن، توضح نوع النشاط والموقع المخصص له، ما سيعزز مصداقية المهنيين ويسهل عملية المراقبة والتنظيم. وبالإمكان، أيضا، وضع لوحات إرشادية على الشواطئ، لتفادي أي تجاوزات محتملة، توضح أسعار الخدمات المحددة وتتضمن رقما هاتفيا أو تطبيقا لتلقي شكاوى المصطافين، ومن شأن ذلك أن يشجع على تحسين الخدمات وتحديد المخالفين. وبذلك يمكن تحويل هذه الأنشطة الموسمية من مجرد اقتصاد "ظل" إلى قطاع منظم ومستدام، يساهم في التنمية المحلية ويعزز من تجربة المصطافين، ويضمن كرامة ورزق الفئات التي تعتمد عليه. المهن الموسمية توجد في كل دول العالم، مع فارق أن في جل الدول تمارس هذه الأنشطة في إطار قانوني منظم، في حين تزاول عندنا في ظل العشوائية.