بقلم: الفاضل الرقيبي زيارة إبراهيم غالي، الأربعاء الماضي، إلى الجزائر العاصمة، لم تمر مرور الكرام، بل فتحت أبوابا كثيرة للتأمل والتحليل، خاصة بعدما سوق الإعلام الجزائري أن الأمر يتعلق بزيارة "رسمية". لكن، بعيدا عن "الرتوش" الإعلامي البئيس، لا يمكن فهم استدعاء زعيم "بوليساريو" إلى قصر المرادية، إلا جزءا من "بروباغندا" مرتبة بفوضوية مفضوحة من قبل إعلام رسمي مأزوم، يحاول إقناع الداخل والخارج، بأن الجزائر لا تزال تمسك بخيوط اللعبة في ملف الصحراء، بينما الواقع يقول عكس ذلك تماما. فتوقيت هذه الزيارة جاء بعد أيام فقط من ردود الفعل الغاضبة التي عبر عنها سكان المخيمات بعد الحادثة المروعة، المتمثلة في اغتيال عدد من الشباب الصحراويين على يد عناصر من الجيش الجزائري في حادثة لم تكن معزولة، بقدر ما كانت مؤشرا على ارتفاع منسوب الكراهية بين الطرفين، وكذلك بعد أيام من اندلاع اشتباكات مسلحة بين مجموعات داخلية، محسوبة على أجنحة "بوليساريو"، والتي ظهر من خلالها، بشكل علني، وجود كميات ضخمة من الأسلحة في أيدي عصابات مسلحة تصول وتجول في المخيمات، مهددة بالوقوف في وجه القوات المسلحة الجزائرية، إن هي تجرأت على مطاردتها داخل الخيام. هذه التطورات لم تعد تحتمل التجاهل من قبل جنرالات المرادية، فالمخيمات التي لطالما استخدمتها الدولة الجزائرية ورقة ضغط في هذا الصراع، بدأت تتحول إلى عبء ثقيل وخطير على أمن الجزائر نفسها، ولذلك فإن ذهاب غالي إلى العاصمة لم يتم على أساس أنه "زعيم صحراوي"، كما حاولت تصويره الآلة الدعائية لعسكر الجزائر، بل تم استدعاؤه باعتباره موظفا يخضع للمساءلة والمراجعة، إذ تم توبيخه من قبل حكام المرادية، الذين وجهوا له رسالة مباشرة مفادها أن الوضع خرج عن السيطرة، وأن على قيادة "بوليساريو" تحمل مسؤوليتها الكاملة في تفكيك شبكات التسلح، والحد من تنامي الاحتقان الشعبي، لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، بعدما تعالت المطالبات في أروقة مجلس النواب الأمريكي بتصنيف "بوليساريو" تنظيما إرهابيا، وانحياز الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة المكلف بالصحراء للموقف الأمريكي والفرنسي، الذي يعتبر أن حل ملف الصحراء لن يكون إلا في إطار السيادة المغربية، وهو ما يعني تبخر حلم الانفصال الذي صرفت الجزائر من أجله مئات الملايير من الدولارات على حساب تقدم ورفاهية شعبها. ولعل قمة الإذلال كانت ترك ابراهيم غالي لحال سبيله بمجرد ابتعاده عن قصر المرادية، لكي ينتقل، بدون مرافقة، إلى المطار، ومن ثم التحق بتندوف، على متن رحلة تجارية عادية، دون أي مراسم، في إشارة من جنرالات الجزائر إلى أن زمن تخصيص طائرة خاصة لتنقلاته قد ولى. تطورات الأمور الداخلية والخارجية تلك أفقدت "بوليساريو" بوصلتها، سنوات اعتاد فيها إبراهيم غالي وزمرته على الهروب إلى الأمام، كلما اشتدت الضغوط عليهم، بافتعال أزمات ينسبونها للمغرب، أو الهرولة إلى تنظيم لقاءات في المخيمات وملتقيات في الخارج لصرف الأنظار بعيدا عن الوضع المتردي في المخيمات، إلا أن تلك الخدعة لم تعد تنطلي على أحد، لا داخل المخيمات ولا خارجها، فهذه المرة، حتى وسائل التواصل الاجتماعي الموالية لقيادة "بوليساريو" لم تتمكن من إيجاد مبرر يمكنها من استغلال الزيارة، في ظل الاقتتال السائد بالمخيمات، بل إن حسابات صحراويين في المخيمات نفسها تناولتها بكثير من السخرية واعتبرتها محاولة فاشلة لإعادة تدوير الزعامة المفلسة لغالي، بل إن بعض النشطاء شبهوا غالي بـ"السائح السياسي" الذي يتنقل من فندق إلى آخر، بينما تعاني المخيمات العطش وانعدام الأمن والغذاء. هذه الموجة من السخرية لم تعد هامشية، بل أصبحت تعكس رأيا عاما داخل المخيمات، رافضا للوصاية الجزائرية وناقما على غالي، باعتباره رمزا لفشل متراكم وفاقدا للشرعية الشعبية، وحتى الأهلية العقلية. فالمخيمات لم تعد آمنة ولا متماسكة اجتماعيا كما قبل، ودخلت مرحلة جديدة عنوانها الفوضى، وغالي يبدو كمن يقود عربة تحترق وهو مستعد أن يضحي بكل ما فيها كي لا يخسر المقود. ومن هنا، فإن زيارته إلى الجزائر العاصمة لم تكن سوى مشهد جديد من مسرحية طويلة ومملة، تحاول الجزائر من خلالها إيهام الرأي العام بأنها لا تزال تتحكم في تفاصيل الملف، بينما الحقيقة أن غالي نفسه بات عبئا على داعميه، وأن قضية الصحراء دخلت مرحلة من التآكل الداخلي، لم يعد معها ممكنا الاستمرار في الكذب السياسي، ولا تجميل واقع يزداد قبحا، يوما بعد يوم. كما أن وضعية "بوليساريو" الراهنة تكشف عن نهاية مرحلة أكثر مما تؤشر على بداية جديدة، فنهاية الوهم لا تبدأ ببيان، بل بلحظة انهيار ثقة، وهذه الثقة قد سقطت فعلا بين غالي وسكان المخيمات، الذين يرون فيه الآن تجسيدا للخذلان والانفصال عن معاناة مجموعة بشرية ادعى تمثيلها لعقود، فإذا به آخر من يشعر بها، وأول من يستثمر في معاناتها.