بقلم: الفاضل الرقيبي شهدت مخيمات تندوف، الأربعاء الماضي، فصلا جديدا من فصول التنكيل بسكانها، إذ أطلق الجيش الجزائري النار على عدد من الشباب الصحراوي، من بينهم سيد أحمد بلالي، من قبيلة أيت موسى وعلي، وعالي محمود ولد فندو، من قبيلة الركيبات، ليرديهما قتيلين، لكن هذه المرة داخل أسوار المخيمات، وعلى مرأى ومسمع من بني جلدتهم، من نساء وأطفال، وأمام أعين عناصر "بوليساريو"، في مشهد فظيع آخر من مشاهد الإجهاز على الحق في الحياة، لمجموعة بشرية وجدت نفسها محتجزة على أرض لحمادة، ومحكومة، ضدا على إرادتها، من قبل عصابة سلمتها رهينة لثكنة بنعكنون، تتاجر بها دوليا، وكل من حاول منها كسر الحصار المفروض عليها، يلقى حتفه تحت رصاص الجنود الجزائريين. وفي محاولة مفضوحة منها لطمس معالم الجريمة، لم تكتف قيادة الرابوني بمحاصرة المتظاهرين، المنددين بمقتل الضحيتين، بل امتنعت عن تسليم جثمانيهما إلى عائلتيهما، واختارت، بدل الانتصار لحق الصحراويين في الحياة، أن تصطف إلى جانب جلاديهم من الجيش الجزائري، بل وتطلق حملة قمع وترهيب واسعة في مخيمي الداخلة والرابوني، لمنع الاحتجاجات المطالبة بمحاسبة الجناة، في ظل تحريض إعلامي ممنهج من قبل أبواق القيادة ضد كل من يسعى لتسليط الضوء على هذه الجريمة، واتهامه بتنفيذ أجندة مغربية، فقط لأنه حاول الوقوف في وجه آلة القتل التي يرعاها مكتب التنسيق العسكري في تندوف. وفي خضم هذه التوترات، امتدت حملة القمع لتشمل دائرة العركوب، حيث تعرض المحتجون لإطلاق نار مباشر من ميلشيات "بوليساريو"، ما أسفر عن اعتقال ثلاثة أفراد والتنكيل بعدد من النساء والشباب، في تواطؤ مباشر بين زمرة إبراهيم غالي والعسكر الجزائري، بشكل يشرعن قتل الصحراويين بدم بارد، فقط لأنهم وجدوا أنفسهم مضطرين للبحث عن لقمة عيشهم خارج المخيمات، وسط تضييق مستمر وقمع ممنهج، يدفعهم للمغامرة بأرواحهم في مواجهة آلة القتل الجزائرية. يعتبر توالي هذه الأحداث الشنيعة في المخيمات، في واقع الحال، لحظة مفصلية في تشكل وعي الصحراويين على التراب الجزائري، الرافض للواقع بهاته المخيمات، لأنه يعري الوجه القبيح لمن يقدمون أنفسهم مدافعين شرسين عن حقوق الصحراويين، والذين نراهم ينتفضون غضبا ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها حين تفتش حقيبة أحدهم في أحد مطارات المغرب، بل ويسارعون إلى تدبيج البيانات التنديدية، ومراسلة المفوضية السامية لحقوق الإنسان، وإطلاق الحملات الإعلامية، لكن هؤلاء أنفسهم يصمتون صمت القبور، عندما يتعلق الأمر بجريمة نكراء كهذه التي ارتكبها الجيش الجزائري داخل مخيمات لحمادة، الأربعاء الماضي، أزهقت فيها أرواح صحراويين أبرياء. فلا بيانات، ولا إدانات، ولا تنديد بالممارسات الوحشية. فالضحايا في مخيمات تندوف لا يستحقون عندهم حتى إشارة عابرة، وكأن حياتهم لا تساوي شيئا، وكأن القتلى مجرد بعوضة دهسها جمل في أرض فلاة لا تستحق ذكرا. وهو ما يفضح واقعهم باعتبارهم مرتزقة يرقصون على أجساد الصحراويين، الذين تسحقهم آلة القتل الجزائري. وإن كان من المؤلم بالنسبة إلى الصحراويين أن يقتل شابان أعزلان دون أدنى مبرر، فإن الأكثر إيلاما بالنسبة إليهم استمرار هذا الاستهتار الممنهج بحياتهم داخل المخيمات، من قبل جيش الدولة الجزائرية، التي لم تظهر يوما أي اهتمام بفتح أي تحقيق نزيه أو شفاف في هذه الحوادث المتكررة. بل على العكس من كل ذلك، يظهر سلوك الجنود الجزائريين تسليما ضمنيا بأن دم الصحراوي في لحمادة مباح، وأن القتل بالرصاص عقوبة طبيعية لمن تجرأ على محاولة الهرب من داخل المخيم. فالدولة التي تدعي رعاية حقوق ما تسميه "الشعب الصحراوي"، هي نفسها التي تقتل الصحراويين، وتترك جثثهم في العراء لتنهشها وحوش الصحراء، كما حدث في مرات سابقة حين قصف شباب من المخيمات بمسيرات جزائرية، فظلت جثثهم تحت الشمس، تنهشها قوارض ووحوش لحمادة، دون أدنى إحساس بالذنب، أو واجب إنساني في انتشالها وتكريمها بالدفن. اختارت قيادة الرابوني أن تصطف، كالعادة، إلى جانب الجلاد، وتدير ظهرها لمن تدعي تمثيلهم من الصحراويين، بل وتحولت إلى أداة في أيدي العسكر الجزائري، مهمتها إسكات كل صوت حر، وترويع كل من يفكر في المطالبة بالحق أو يرفع راية الرفض. وفي مقابل هذا التواطؤ الصامت، تتوارى وجوه طالما قدمت نفسها مدافعة عن حقوق الصحراويين. أولئك الذين ما إن يقعوا تحت طائلة أي إجراء قانوني بالمغرب، ترفع من أجلهم الشكاوى إلى المفوضية السامية لحقوق الإنسان، وتنسج القصص وتكتب البلاغات والتقارير. أما حين يقتل الصحراويون رميا بالرصاص على أيدي الجيش الجزائري، وترهب عائلاتهم وتسحق أجسادهم تحت آلة القمع بالمخيمات، فإن الصمت يخيم عليهم، وكأن الضحايا ليسوا من الصحراويين، الذين يدعون الدفاع عنهم.