بقلم: الفاضل الرقيبي في مشهد يعكس هشاشة تنظيم "بوليساريو"، ويبرز مدى التصدعات العميقة التي تنخر كيانه، أعلن القيادي البشير مصطفى السيد، رسميا، عن نيته في منافسة إبراهيم غالي على زعامة ما تبقى من الحركة "من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه" حسب زعمه، رغم إدراكه، قبل غيره، أنه لا يحظى بدعم جنرالات الجزائر، وأن تاريخه الملطخ بالدماء جعل منه شخصية منبوذة من قبل سكان المخيمات، بمختلف مكوناتهم القبلية، التي لا ترى في تحركات هذا الجلاد سوى مناورة هزيلة يراد لها أن تعطي انطباعا بوجود دينامكية سياسية، وإرادة لدى الجنرالات، لمحاولة بعث الروح في جثة "بوليساريو"، التي بلغت مستوى متقدما من التحلل. فالبشير مصطفى السيد، الذي يجر ماضيا دمويا أشبه بسراب مخيف، لا يملك أي قاعدة شعبية تسانده، لأن سنوات القمع والانتهاكات جعلت اسمه مقترنا بالفظائع، التي عرفتها المخيمات، إذ أصبح رمزا للخوف والدماء، وليس قائدا يحمل طموحات سياسية، رغم محاولاته الحثيثة لتقديم نفسه بديلا لإبراهيم غالي، وهو ما أجج معركة تكسير العظام بينه وبين أتباع اغويلي، الذين بادروا بنشر سيرته السوداء عبر المواقع الإلكترونية، ومنابر التواصل الاجتماعي، في غمرة لا مبالاة صحراويي المخيمات الغارقين في المجاعة والتضييق، إذ باتت حياتهم اليومية معركة للبقاء وسط انهيار أمني غير مسبوق، وغياب أبسط مقومات العيش الكريم، وتضييق الحصار ووحشية القمع الذي يطولهم مع كل محاولة للتعبير عن رفض هذا الواقع المأساوي. في هذا المناخ المسموم يسعى إبراهيم غالي، الذي استشعر الخطر المحدق به، للتخلص من خصومه البارزين، عبر تسخير كل أذرعه الإعلامية ومليشياته القبلية، دون أي اكتراث بالعواقب الوخيمة التي ستترتب عن ذلك، وهو ما قد يدفع الجزائر إلى تسريع عملية "توريث" الزعامة داخل "بوليساريو" لنجل الزعيم السابق، لحبيب محمد عبد العزيز، الذي يخضع منذ ثلاثة أشهر لدورة تدريبية في الشرق الجزائري في خطوة تفسر على أنها تمهيد لاستبدال الوجوه القديمة بأخرى جديدة، تحمل الولاء ذاته، وتخدم الأجندة ذاتها. هذا التوريث المعلن يكشف نوايا الجزائر في الإبقاء على "بوليساريو" أداة سياسية دون السماح بأي تغيير حقيقي في بنيته التنظيمية، لأن الأمر لا يتعلق بشخص غالي أو البشير، بقدر ما يتعلق بالحفاظ على المشروع الانفصالي ذريعة لمتابعة سياسات زرع عدم الاستقرار في المنطقة التي تتبعها الجزائر منذ استقلالها. إن ما يجري اليوم داخل "بوليساريو" ليس سوى صراع بين ظلال الماضي، التي تحاول البقاء بأي ثمن، لكن الحقيقة التي لا يمكن حجبها هي أن المخيمات تعيش أزمات أعمق من مجرد منافسات على زعامة بلا شرعية. ففي حين ينشغل القادة في لعبة الكراسي الموسيقية، يتآكل الحلم الانفصالي تحت وطأة الفقر والقمع واليأس، لأن سكان المخيمات الذين ملوا من الشعارات الرنانة، أصبحوا يدركون أن هذه المعركة ليست معركتهم، وأن مصيرهم ليس بأيديهم، بل بأيدي جهات تحرك الخيوط من وراء الستار. ومن يدري؟ قد يكون الغروب أسرع مما يظنون.