يوسف الساكت تكمل التفاهة المعششة في كثير من مفاصل المجتمع ومواقع التواصل الاجتماعي مشروع انتقالها من التجريب إلى المأسسة، أو من الهواية إلى نظام له نظرياته ومرتكزاته وجمهوره، الذي يتسع يوما بعد يوم. ومع مرور الوقت، تأخذ التفاهة في وسائل التداول الإلكتروني، شكل سلطة لها قوانينها الخاصة وآلياتها ووسائل العقاب والعفو، وتلجأ، أحيانا (كباقي السلط المارقة)، إلى أساليب الابتزاز والنصب والتشهير و"القتل" المعنوي والرمزي للمواطنين والمسؤولين، عبر تقنيات الإشاعة والتلفيق وصنع الأخبار المحشوة برؤوس مدمرة لحياة الأشخاص. وما نلاحظه، منذ أشهر، من انتشار مهول لنوع معين من المحتوى الافتراضي وتوالد مستمر لـ"صناع جدد"، دليل على وجود "همزة" في مكان ما، لا يقدر قيمتها المالية سوى الضالعين في خبايا الاقتيات من الحياة الخاصة للمواطنين والمؤسسات، وتعريض الجميع إلى مخاطر التداول الجماعي للخصوصيات في مجتمع يرفع من شأن "النميمة"، ويصنع لها إطارا وصورة، وتعلق في صالونات المنازل. ومؤكد أن التفاهة لم ترتبط بزمن معين، إذ حارب هذا "النظام" على مر التاريخ لبسط هيمنته، دون أن يفلح في ذلك، بسبب أشكال المقاومة الذاتية والمجتمعية التي تنطلق تلقائيا للرد، كلما لاحت "رداءة" في السماء، ما نفتقده، اليوم، بسبب الانتشار المهول للمعلومة وحاملات المعلومة عبر وسائط تكنولوجية عابرة للقارات. والغريب أن الكل يشتكي انتشار التفاهة، وغزوها المجال العام، لكن لا أحد يسأل نفسه كيف انتشرت، وكيف وجد من نسميهم التافهين مكانا لهم في وسائل التواصل الاجتماعي، وصارت أسماؤهم تجري بذكرها الركبان، إلى درجة أن لا شيء صار يصمد أمام شهرتهم وسطوتهم المعنوية، التي غطت على كل ما سواهم من فاعلين ثقافيين أو سياسيين أو غيرهم. يتعلق الأمر بنوع من السكيزوفرينيا الجماعية، التي تورطت في إخراج معطوبي المجتمع ومعتوهيه إلى العلن، بمواصلة الاهتمام بهم والإعلاء من شأن محتوياتهم على وسائل التواصل الاجتماعي. إن التشجيع المستمر لمحتويات التفاهة والابتذال والنصب والابتزاز، ما حولها إلى نمط حياة وقيمة مضافة متداولة في المجتمع، إذ كلما نزلت كثيرا إلى القاع في الخطاب والمظهر وطريقة الكلام وإنتاج المحتويات، التي تقتات من أعطاب المجتمع وعاهاته وخصوصيات الأشخاص، كلما ارتقيت في نظر جمهور متعطش للرداءة ويرفعك إلى مستوى النجم والقدوة والنموذج. هذا ما يحصل، اليوم، في الواقع، حتى أضحى بعض المؤثرين يستقبلون بالأحضان، بينما يجلس الأساتذة الكبار والمفكرون ومنتجو العلم والمعرفة وصناع العقل في الصفوف الخلفية.