بقلم: الفاضل الرقيبي في مشهد يعكس هشاشة الوضع داخل "بوليساريو"، احتدم النقاش، خلال الاجتماع التكميلي السادس لأمانتها الوطنية، في 16 مارس الجاري، حول مسألة سد حالات الشغور داخل الهيآت القيادية، وهو ما كشف تصدعات عميقة في صفوف القيادة. فمع تصاعد الخلافات، جاء قرار تغيير رؤساء اللجان ليزيد من حدة التوتر، إذ اقتصر الأمر على إعادة تدوير السحنات نفسها، المنبوذة بالمخيمات، بمن فيهم عجزة لم يغادروا فراش المرض منذ شهور كمحمد لمين البوهالي، والوالي اعكيك، اللذين تم تعيينهما باللجنة العسكرية، كما يعتبر تعيين عبد القادر طالب عمر رئيسا للجنة الاجتماعية، في وقت تتفاقم فيه الأوضاع الأمنية داخل المخيمات، التي تعرف تصاعدا غير مسبوق لأعمال العنف والمواجهات المسلحة بين تجار المخدرات والسلاح، (يعتبر) مناورة من إبراهيم غالي لتوريط عبد القادر، وتحميله مسؤولية هذا الانفلات الأمني للنيل من حظوظه في منافسته مستقبلا، خصوصا أن مركزه سفيرا في الجزائر مكنه من ربط علاقات مهمة مع رواد قصر المرادية. ولم يكن هذا الاجتماع مجرد مناسبة لاتخاذ قرارات إدارية مجدولة مسبقا، بل تحول إلى ساحة فوضى حقيقية، بعد أن عبر إبراهيم غالي، مرة أخرى، عن نيته تأجيل المؤتمر المقبل، وهو القرار، الذي قوبل بغضب واسع من بعض القيادات، التي ترى في التأجيل محاولة لتمديد الأزمة، وإطالة أمد حالة الاحتقان التي تشهدها المخيمات. وتجلت هذه الفوضى في المناوشات الحادة بين مصطفى سيد البشير وسالم لبصير، من جهة، ومحمد سالم ولد السالك وخطري ادوه، من جهة أخرى، وهو ما يعكس تراجع قدرة غالي على ضبط الأمور داخل التنظيم في ظل انقسام حاد بين مؤيديه ومعارضيه، بينما لا يزال هو يمني النفس بتمديد مأموريته على رأس ما تبقى من مشروع "بوليساريو" على الأراضي الجزائرية. وعلى المستوى الداخلي، تعيش المخيمات أوضاعا متردية، إذ تزايدت مظاهر رفض الحصار المفروض من قبل القوات الجزائرية المنتشرة حول المخيمات، والذي أدى إلى اندثار تام للأنشطة التجارية، على قلتها، مع موريتانيا ومدينة تندوف الجزائرية، الأمر الذي خلف آثارا اجتماعية كارثية، خصوصا في هذا الشهر المبارك. ولم يقتصر التراجع على الأوضاع المعيشية فحسب، بل طال أيضا بنية القيادة نفسها، إذ باتت أسماء وازنة، مثل محمد الوالي أعكيك، ومحمد لمين البوهالي، ومريم أحمادة، خارج الخدمة، وهو ما شكل تصدعا في محيط إبراهيم غالي، الذي تراجعت شعبيته لأدنى مستوياتها، ليس فقط بين أعضاء الأمانة، بل حتى داخل الأوساط الأمنية الجزائرية، التي فقدت الثقة في قدرته على إدارة المرحلة. وفي ظل هذا الوضع المتأزم، لجأ إبراهيم غالي إلى تكثيف زياراته إلى ما تبقى من الدول الإفريقية، التي لا تزال تعترف به، في خطوة يراها البعض محاولة للهروب من حالة الفوضى التي تعيشها المخيمات، والانقسامات التي تهدد قصره الأصفر، إذ باتت قيادة "بوليساريو" تشهد تحركات داخلية تحت ذريعة ضرورة إعادة ترتيب أوراق التنظيم، فالبشير مصطفى السيد، أحد أبرز قياداتها، بدأ فعلياً بالتواصل مع الجزائريين، في محاولة لكسب دعم الأجهزة الأمنية الجزائرية، عارضا نفسه بديلا لإبراهيم غالي، ريثما يتمكن نجل الأمين العام السابق، لحبيب محمد عبد العزيز، من تحقيق نصاب الإجماع داخليا. إن ما يجري في اجتماعات أمانة "بوليساريو"، منذ سنتين تقريبا، ليس مجرد تفاصيل تنظيمية، بل هو مؤشر واضح على تفكك المنظومة الداخلية للجبهة، وعلى أن مستقبل "بوليساريو" بات أكثر غموضا من أي وقت مضى، إذ يتشبث إبراهيم غالي بالبقاء في واجهة المشهد، بينما يرى معارضوه أن التغيير بات أمرا محتوما.