يوسف الساكت هو ما ينبغي أن تفعله الحكومة، إذا آمنت، فعلا، بأن الشاب المراكشي، أو "مول الحوت" يعكس توجهها، أي تكسير سلسلة التوزيع، والعبث بحلقاتها الوسطى، وربط الحلقة الأولى بالحلقة الأخيرة مباشرة. لقد تبين أن "طول" السلسلة وامتدادها، يساهمان في خلق وسطاء وسماسرة ومضاربين، يجدون لأنفسهم موقعا في المنظومة العامة للتوزيع، سواء تعلق الأمر بمهنيين نظاميين منصوص عليهم في تشريعات وقوانين ذات صلة، أو "شناقة"، يلفون عنق أي شيء يصادفونه أمامهم، ويعيدون فيه البيع إلى أول مشتر. إن الصدى الكبير الذي خلفه بائع السمك المراكشي لم يأت من مغامرته في خفض أسعار سمك السردين، وبيعه بثمن أرخص من السوق، وهي عملية يمكن أن يقوم بها أي شخص، وقد لا تكون مربحة، بل في جرأته في تحدي سلسلة التوزيع، وكشف أعطابها، وفضح تشوهاتها، وإخراج الشياطين التي كانت تسكنها. فكل ما فعله هذا الشاب، بوعي أو دونه، أنه ذهب إلى جوهر المشكل مباشرة، أي تفكيك شبكة التوزيع، وإعادة تركيبها بطريقة جديدة، مع حذف جميع الشوائب التي كانت عالقة بها، والنتيجة أن كميات السمك نفسها التي تخرج من الميناء، يمكن أن تصل إلى الزبون الأخير بثمن مناسب، دون أن تكون خزينة الدولة خسرت رسومها وضرائبها، ودون أن يكون البائع الأول (بائع الجملة)، قلص هامش ربحه المشروع، باعتباره منتجا ومستثمرا. فإذا كان "مول الحوت" يعكس توجه الحكومة، كما قال الناطق الرسمي ذات جواب غير واضح، فإن المرحلة تقتضي التوجه رأسا إلى سلسلة التوزيع من أجل تنظيمها، وشن حرب ضروس على الحلقات العشوائية بها، والقضاء على الدخلاء والطفيليين، وقطع الطريق على الوسطاء غير القانونيين وقطاع الطرق. ونعني بهم "الشناقة" الذين يقطعون الطريق في نقاط معينة من سلسلة التوزيع، وسلب التجار والزبناء أرزاقهم ومصادرة أموالهم، تماما كما يفعل اللصوص في أفلام الحركة الأمريكية، حين يعترضون سبيل قطار بخاري في الخلاء، ويعتدون على راكبيه، ثم يلوذون بالفرار. إن "الشناقة" هم أقرب إلى هذه الصورة، بل هناك من شبههم بخلايا إرهاب حقيقية، ينبغي مطاردتها، وتفكيكها في أوكارها، خوفا من "انفجارات" محتملة، على السلم الاجتماعي تحديدا. ففي اللحظات العصيبة التي يوضع فيها استقرار البلد في الميزان، سيكون من السذاجة الاكتفاء بالتنبيه وحملات التحسيس والتوعية وتعبئة لجان المراقبة والأقسام الاقتصادية في العمالات، بل يجب المرور مباشرة إلى الردع الحـازم.