بقلم: الفاضل الرقيبي تشهد "بوليساريو"، في الفترة الأخيرة، تصعيدا غير مسبوق في مستوى التوترات الداخلية، يغذيه تزايد حالة الاستياء في أوساط القيادات الأمنية والسياسية. فالأوضاع داخل المخيمات باتت على صفيح ساخن، خصوصا بعد سلسلة من الإجراءات الأمنية الجزائرية، التي استهدفت صحراويي المخيمات، وفاقمت الاحتقان والتوتر الداخلي، ليصل مستوى لم يعرفه طيلة خمسين سنة الماضية، إذ هجمت مجموعة من الشباب الصحراويين، منتصف الشهر الماضي، على النقطة الحدودية الجزائرية، التي رفضت السماح لهم بالخروج، ما أدى إلى سقوط جرحى، من بينهم حالات خطيرة، بينما اعتقل العشرات في محيط الرابوني، وتم التنكيل بهم قبل إطلاق سراحهم. وفي ظل هذا المشهد المضطرب، برزت مجموعة من القيادات المتوسطة غير الراضية عن الوضع الداخلي للحركة، إذ اجتمعت أسماء وازنة في الخريطة الأمنية لـ "بوليساريو" في منطقة قريبة من الحدود الموريتانية الجزائرية تسمى "الحمرة"، واستدعت القيادي المثير للجدل، البشير مصطفى السيد، للحضور من أجل التهييء لإطلاق مبادرة داخلية تهدف إلى إعادة ترتيب الأوراق ومعالجة الأزمة المتفاقمة، في ظل استمرار إبراهيم غالي في رفضه استقبال أي قيادي أو مسؤول يعارض طريقة تدبيره للمخيمات، وقد استجاب البشير مصطفى السيد لهذه الدعوة بعدما حصل على الضوء الأخضر من قطاع تندوف العسكري، خصوصا أن الرجل في غنى عن إثارة غضب جنرالات المرادية. بالتوازي مع ذلك، سارع محيط إبراهيم غالي إلى التحرك بشكل استباقي، إذ أعلن عن دورة طارئة لاجتماع مجلس شيوخ القبائل، في خطوة تهدف إلى امتصاص الغضب الداخلي، وإعادة فرض السيطرة على الوضع، أو على الأقل إفشال أي مخطط مواز، كما كثف مقربو غالي اتصالاتهم مع الضباط الجزائريين لطلب الدعم، وكذلك التدخل لاحتواء الأزمة السياسية الحاصلة في الرابوني، التي زادت تعقيدا، بعدما أعلن إبراهيم غالي، خلال اجتماع مكتب الأمانة الأخير، عن تأجيل مؤتمر "بوليساريو" العام، الذي كان من المقرر عقده نهاية السنة الجارية، مقدما أعذارا واهية كعدم توفر ميزانية كافية لتغطية نفقات المؤتمر، والاحتفال بخمسينية إعلان ما يسمى "الجمهورية الصحراوية"، غير أن هذا القرار فهم على نطاق واسع بأنه محاولة من جنرالات الجزائر لتأجيل المواجهة بين مناصري غالي ومعارضيه، في انتظار اتخاذ قرارات جذرية لمحاولة إعادة ترتيب البيت الداخلي لـ "بوليساريو"، حسب تطور مسار الملف على الصعيد الأممي. في هذا السياق، سارع القياديان سالم لبصير ومصطفى سيد البشير، المقربان من إبراهيم غالي، إلى إطلاق سلسلة من اللقاءات الداخلية لمحاولة احتواء الأزمة، قبل أن تخرج عن السيطرة، فالمخاوف تتزايد من أن تؤدي هذه الصراعات إلى انفجار داخلي غير مسبوق، خاصة مع ازدياد النقمة في المخيمات، نتيجة الأوضاع الأمنية والاقتصادية المتدهورة، فالوضع في المخيمات ينذر بمزيد من التوتر، وعصابة الرابوني تجد نفسها أمام مفترق طرق حاسم، قد يحدد مستقبلها السياسي. فهل سينجح جنرالات بن عكنون في إعادة ترتيب الوضع الداخلي واحتواء الغضب المتنامي، أم أن الانقسامات ستتعمق أكثر، ما قد يؤدي إلى تغيير جذري في المشهد السياسي بالمنطقة بأكملها؟