محمد الشمسي * يعتبر الحصول على حكم قضائي يحسم في نزاع قائم، غاية المتقاضي من لجوئه إلى المحكمة وتكبده العناء المادي والنفسي لأجل ذلك، لكن في بعض الأحيان لا تجري رياح القضية بما تشتهي سفينة صاحبنا المتقاضي، حيث تصدر المحكمة حكمها بنطق هيأة الحكم بمنطوقه، لكن تحضيره ووضعه رهن إشارة طرفي أو أطراف الدعوى لأجل تبليغه أو تتفيده أو الاطلاع على تعليله يتأخر حتى يصبح فعلا هو القضية، ويصل البطء في ذلك حدا قد يلامس المستحيل، ففي كل مرة يتصفح موظف شعبة تسليم النسخ طلب المتقاضي أو دفاعه، ويبحث عن الحكم المنشود بين ركام الأحكام، فيرفع رأسه لينقل إليه الخبر المستهجن «هاد الحكم باقي غير جاهز». وتتوالى زيارات المتقاضي أو محاميه في رحلات وزيارات ويتكرر معها جواب الموظف، وقد يستغرق تحضير الحكم القضائي من الوقت ما يفوق زمن مناقشة المحكمة للقضية برمتها. ما من مسوغ يمكن أن يكون شافيا كافيا مقنعا عن عدم تحرير وتوقيع وتهييئ الأحكام القضائية، ولو أن القانون في بعض الأحيان يلزم أن يكون الحكم جاهزا محررا موقعا فور النطق به، ولعل مبررات مثل كثرة الملفات أو استشكال بعض القضايا نوعا وكمالا ينهض ذريعة مقبولة، لأن الفصل في القضية لا يتحقق كليا إلا بحصول أطراف الدعوى على نسخة من الحكم، كما أن حق المتقاضي في حصوله على نسخة الحكم الصادر في قضية كان طرفا فيها، ولربما هو من رفعها، وهو حق دستوري غير قابل لأي تبطيء أو تعويق، وإنه لا معنى للتقاضي ما لم يتحصل المتقاضون على نسخ من الأحكام الصادرة في قضاياهم داخل أجل معقول، هذا مع الإشارة إلى أن عدم تجهيز الأحكام القضائية في أسرع زمن ممكن قد يصير من أسباب تعمير الملفات في المحاكم، سيما أنه ينصرم من الوقت ما بين صدور الحكم وتحضيره خمسة وستة أشهر وأكثر من ذلك في بعض الأحيان، وهي مدة كافية لتفصل فيها محكمة الدرجة الثانية في الخلاف كله. * محام وروائي