< د. خالد الحري نضع الامتحان بالألف واللام المعرفة والمفخمة كذلك، لأننا نعتقد، جازمين، بأن واحدا من أهم الامتحانات التي ستمر منها منظومة الطوارئ الصحية، بعد أيام، هو مواجهة السلالة الأولى لجدري القردة التي رحلت من القارة الإفريقية، وحطت الرحال في عدد من دول العالم، منها أوربا "المحصنة". إن المغرب ليس بمنأى عن الخطر، وسبق أن تسللت خمس حالات من الفيروس نفسه في مارس الماضي، تم التحكم فيها، لعدم شراستها، وانتمائها إلى النوع البدائي من جدري القردة، أما اليوم، فإننا نتحدث عن سلالة متطورة، أوقعت آلاف القتلى في الكونغو الديمقراطية والدول الإفريقية المجاورة، وأرغمت منظمة الصحة العالمية على إعلان حالة طوارئ دولية. لا نريد زرع الخوف ونحن على بعد مسافات من الخطر الحقيقي، لكن "لي خاف نجا"، كما يقول أجدادنا الأولون، ونفضل أن ندق ناقوس الانتباه واليقظة منذ البداية، على أن نغرق في جحيم الحالات، والتفشي السريع، وتتعرض المنظومة الصحية برمتها إلى الدمار، كما وقع قبل أربع سنوات، حين داهمنا فيروس كورونا بجميع سلالاته ومتحوراته على حين غرة. هنا، يأخذ الامتحان، الذي تحدثنا عنه في البداية، الطابع الإجرائي الذي يقترب من المحاسبة والمراقبة اللصيقة لأداء منظومة صحية صُرفت عليها الملايير في الفترة السابقة، وأطلقت صفقات عمومية ومشاريع وبرامج، وشكلت لجان وطنية ومركزية، من أجل الوصول إلى أكبر قدر من المناعة، أو السيادة الذاتية، ضد الأوبئة والفيروسات والأمراض العابرة للقارات. ولأن الشيء بالشيء يذكر، فلن ننسى كيف استغل البعض (ومنهم وزراء)، الأزمة الصحية لكورونا، وحولها إلى ملايين إضافية في حسابات بنكية، عبر مشاريع وهمية لا أساس لها في الواقع، كما صنعت الصفقات العمومية التي كانت تطلق ذات اليمين والشمال، جيلا من الانتهازيين الجدد الذين راكموا الثروات في ظرف وجيز، وكان بالإمكان أن ينجوا بفعلتهم، لولا يقظة النيابة العامة والفرقة الوطنية للشرطة القضائية. لقد ضحى المغاربة، خلال أزمة كوفيد19، بحياتهم واقتصادهم وصحتهم الجسدية والنفسية واستقرارهم الاجتماعي والأسري (ارتفاع حالات الطلاق)، من أجل البناء والتأسيس لجدار صحي وطني آمن ضد حالات الطوارئ العالمية. جدارٌ لن يكونوا فيه، مضطرين، من جديد، إلى الاختباء، أو الدخول إلى المنازل، أو تهديد معيشهم اليومي الذي تداركوه بصعوبة، بعد سنوات من الإنهاك وقطع الأرزاق والتوقف الاضطراري عن العمل وحالات التسريح. إن جدري القردة يدق الأبواب، وهو آت بلا شك، ولن نكون أحسن من دول في أوربا زارها الفيروس في عقر دارها البعيد. إن الخطر داهم، وعلى المؤسسات المعنية مواجهته، بما راكمته من خبرة وتجربة واستثمارات ضخمة، هي مناسبة كي نجني ثمارها في شكل نتائج حقيقية لمقاومة الفيروس في مهده وبأقل الانعكاسات الممكنة، دون إلحاق أي ضرر بالاقتصاد الوطني (المتأزم أصلا)، أو فرض إغلاق شامل على المواطنين. إنه الامتحان الذي ينتظر الحكومة، ووزارة الصحة والحماية الاجتماعية، على وجه التحديد. امتحان يعز فيه المرء، أو يهان. أما نحن، فلن نكون رحماء مع المتهاونين بالمطلق.