حوادث

فيديو يهزم الشهود والشهادات الطبية بمحكمة عين السبع

الجلسة شهدت جدلا بعد اتهام محامية جهات بتوجيه النيابة العامة

كانت جلسة مثيرة بالقاعة 2 بمحكمة عين السبع، في ملف الضرب والجرح، إذ تمسك كل طرف أنه ضحية واستعان بشهود وشهادات طبية،
وزاد في حدتها اتهام محامية جهات بتوجيه النيابة العامة، إلا أن شريط فيديو حسم الأمر وكشف الرواية الحقيقية للنزاع.

كانت القاعة 2 بالمحكمة الابتدائية الزجرية عين السبع، مليئة بأقارب متابعين في قضايا متنوعة. ظلوا متربصين في مقاعدهم ما يقرب الساعة والنصف، ينتظرون النطق بالأحكام. خارج القاعة كان أزيد من أربعة أشخاص غير مبالين بما يقع داخل القاعة، مناسبة يتبادلون خلالها المستملحات، وفي مكان آخر يجتمع أحدهم مع محام عارضا عليه بعض الوثائق، قبل أن يتضح أن ملفهم سيعرض مباشرة بعد أن يعود القاضي من المداولة.
لحظة، رن الجرس، دخلت هيأة الحكم. صوت صارم يعم القاعة يدعو الجميع إلى الوقوف. اتكأت عجوز على مقعد أمامها، وأدارت أذنها اتجاه مكان القاضي، وهي تستعد لسماع حكم قريب لها.
قبل النطق، طلب القاضي من الحضور التزام الصمت وعدم مغادرة القاعة إلا بعد نهاية النطق بالأحكام كافة، تفاديا لأي فوضى تعم المكان.
شرع القاضي في تلاوة الأحكام، وتمرير الملفات إلى كاتب الضبط. أحد الحضور تذمر من عقوبة قريبه بصوت مرتفع، وحاول مغادرة القاعة، إلا أن نظرة صارمة من القاضي أجبرته على العدول عن قراره.
أنهى القاضي النطق بالأحكام، وطالب الجميع بالمغادرة. وحدها العجوز ظلت في مكانها، طلب منها رجل أمن مغادرة القاعة، مدت يدها نحو الأمام ونادت باسم قريب لها، ليكتشف الشرطي أنها عمياء وتمسكت بالحضور لمؤازرة ابنها. أعانها رجل الأمن على الوقوف، ليتدخل قريبها، الذي أمسك بيدها وقادها خارج القاعة.
مباشرة بعد النطق في الحكم، شرع القاضي النظر في الملف الموالي، متابع فيه سبعة أشخاص، أحدهم في حالة اعتقال . في هذا الملف اختلط الحابل بالنابل، الكل يتمسك أنه الضحية وقدم شهادات طبية تؤكد تعرضه للاعتداء، واستعانوا بمحامين بلغ عددهم خمسة، من بينهم محامية.
وقائع الملف تعود إلى نزاع وقع بمقهى بالحي الحسني، بين مالكها وزميل له من جهة، وأربعة شباب يتزعمهم فاعل جمعوي، أحدهم كان برفقة كلب في ملكيته، عض شخصا تدخل لفض النزاع.
تقدم صاحب المقهى وزميله بشكاية يتهمان فيها الطرف الثاني بالاعتداء عليهما وإلحاق خسائر بالمقهى، والاعتداء على مستخدمة فيها بضربها بمنضدة على رأسها، لكن عند إحالة الملف على النيابة العامة، وتقديم الطرف الثاني حججه، تابعت النيابة العامة مالك المقهى وزميله أيضا بالضرب والجرح، ليصبح الملف مثيرا وشائكا أمام القاضي الذي عليه تبيان الخيط الأبيض من الأسود.
بدأت الجلسة بمرافعة دفاع مالك المقهى، الذي أكد أن كل الوقائع تؤكد تورط الفاعل الجمعوي وشركائه في الاعتداء على موكله وإلحاق خسائر بمقهاه، والاعتداء بمنضدة على مستخدمة بها. استند المحامي في مرافعته على ما جاء في محضر الضابطة القضائية واعترافات المتهمين فيها بتورطهم في المنسوب إليهم، وما تضمنته الشهادات الطبية المسلمة وتصريحات الشهود، ليختم كلامه مطالبا بمتابعة المتهمين.
غير أن الجلسة ستشهد تطورات مثيرة بطلتها محامية، حولت الجلسة إلى محاكمة لطبيب، تبين أنه سلم جميع أطراف القضية حسب قولها، شهادات طبية تحدد مدة العجز تتجاوز 20 يوما، متسائلة عن جدوى اعتماد هذه الشهادات قرينة قاطعة من قبل المحكمة، لأن ما قام به الطبيب يعد تزويرا يستحق المتابعة.
وبعد أن أنهت انتقاداتها للطبيب، حل الدور هذه المرة على النيابة العامة، إذ احتجت المحامية على قرار النيابة العامة التي حولت موكليها، المشتكيين، وهما مالك المقهى وزميله، من ضحايا إلى متهمين في الملف، وأرجعت الأمر إلى تدخل جهات خفية تتضامن مع الفاعل الجمعوي، مبدية تأسفها استغلال النيابة العامة لتصفية حسابات مع أطراف أخرى.
كلام المحامية أثار حفيظة ممثل النيابة العامة، الذي أمر رئيس الجلسة بتسجيل ما قالته المحامية في حق مؤسسته، محتجا أن للنيابة العامة استقلاليتها وأن لا أحد يتدخل في قراراتها، قبل أن يحسم رئيس الجلسة النزاع، بعد تدوينه ما قالته المحامية، طالبا منها الإيجاز في مرافعتها، وعند انتهائها، حل دور محامي الفاعل الجمعوي للترافع، محاولا تخفيف حدة التوتر داخل القاعة، مؤكدا أن المحامي ليس طرفا في النزاع والخصومة ولا يلعب دور «غراق»، مشددا على أن المغرب قطع مع حقبة سنوات الرصاص، عندما كانت تتدخل جهات في قرارات المحكمة، وأنهم تصدوا بقوة من أجل استقلالية القضاء.
وبعد أن شرع يقلب في أوراق بين يديه، قال بنبرة الواثق في نفسه : «ملف القضية أكبر من حجمه، لا وجود لأجهزة تتدخل في توجهات النيابة العامة، الملف ببساطة يتعلق بالضرب والجرح، وليس سياسيا بامتياز، يجب تجاوز منطق الخلفيات والاقتصار هل فعلا هناك ضرب وجرح تورط فيه المتهمون أم العكس».
توقف المحامي أمام التناقضات التي كشفت عنها الشهادات الطبية المقدمة من أطراف النزاع، فحسب قوله، كل طرف يتمسك أنه ضحية اعتداء بناء على هذه الشهادات، كما تساءل عن جدوى شهادة الشهود الذين أكدوا أن موكله من حرض المعتدين على اقتحام المقهى وتخريبها وأنهم عاينوا أحدهم يعتدي على المستخدمة بمنضدة، متسائلا : «واش غير اللي حلف بالله قدام القاضي نتيقو الشهادة ديالو؟».
وكأنه ساحر سيخرج سرا من قبعته، وضع أمامه محضرا، وبلغة المنتصرين، صرح أن بين يديه شريط فيديو يوثق لحظة بلحظة لكل ما وقع بالمقهى، مشددا على أن التفاصيل التي يقدمها الشريط، تختلف جذريا عما صرح به مالك المقهى وزميله وشهادة الشهود، وتنفي واقعة الاعتداء على المستخدمة.
وكأنه وجه ضربة قاضية إلى خصومه، شرع المحامي في سرد محضر معاينة أعده ضابط شرطة للشريط، خلص فيه أن النزاع وقع لحظة منع مالك المقهى المتهم المعتقل مع كلبه، من دخول المقهى، وأنه لم يكن بشكل مؤثر لدرجة أن زبناء المقهى ظلوا يتابعون مباراة في كرة القدم، كما سجل الشريط قيام مستخدمتين بعد نهاية النزاع بنقل شاشة تلفاز إلى داخل المقهى، في حين تولى النادل جمع الكؤوس والقنينات من فوق الطاولات.
وأوضح المحامي أن كلب المتهم المعتقل، هاجم شخصا تدخل لفض النزاع، مشددا على أنه لو كانت له نية إجرامية لأمره بالانقضاض على مالك المقهى وزميله المشتكي وليس العكس.
وواصل المحامي أن الشريط لم يبين واقعة ضرب المستخدمة بالمنضدة كما صرحت الضحية وشهادة الشهود والشهادة الطبية، وكأنه حسم المعركة لصالحه، ختم أن كل ما صرح به صاحب المقهى وشهوده مزيف، ليأمر القاضي بتأجيل الجلسة إلى الثلاثاء المقبل، للاستماع إلى مرافعة باقي الدفاع وممثل النيابة العامة.
مصطفى لطفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق