بنايات تحتية متردية وسيطرة للعشوائي وتجارة المخدرات والكلاب الضالة زادتها قتامة «المزوق من برا آش خبارك من لداخل»، مثل مغربي يمكن استعارته لوصف حال مدينة الدروة بإقليم برشيد، التي تخدع زائرها بمدخلها المتناسق نوعا ما، حيث يعتقد أنه داخل مدينة متكاملة، قبل أن يصدم بعد جولة قصيرة بحقيقة أحياء ودواوير تعيش واقعا مزريا لا يمكن إخفاؤه بمساحيق تجميل واجهات عمارات سكنية ومؤسسات تعليمية تضاهي تلك التي توجد بأرقى أحياء العاصمة الاقتصادية. ومن خلال الجولة التي قام بها طاقم «الصباح»، اتضح بما لا يدع مجالا للشك والتكذيب من قبل الجهات المسؤولة، أن تحالف سوء البنية التحتية وسيطرة العشوائي وتجارة المخدرات وانتشار الكلاب الضالة وسلوكات احتلال الملك العمومي و»موضة» الاستعراض بالكلاب الشرسة، عوامل تجعل الدروة محمية للفوضى بامتياز. إنجاز : محمد بها / تصوير : (عبد الحق خليفة) تحول الموقع الإستراتيجي لمدينة الدروة إلى نقمة، بعد أن كان يعول على قربها من العاصمة الاقتصادية ومطار محمد الخامس والمناطق الصناعية لإقليم برشيد، لتكون ضمن الحواضر الكبرى، إذ أدت الهجرة القروية والتزايد العمراني والديمغرافي المرتبط بالانتشار الواسع لعدة مشاريع سكنية، إلى ظهور مشاكل بالجملة، أولها ترنح المنطقة بين نمط القرية ومحاولات التمدن، وأعطاب اقتصادية واجتماعية من بينها البطالة وسوء البنيات التحتية وانعدام المرافق الضرورية، بما فيها فضاءت الترفيه والرياضة اللازمة لتحصين الشباب من تربصات عصابات وشبكات المخدرات المستوطنة بمجموعة من الدواوير والأحياء، رغم مجهودات الدرك الملكي التي تقوم بحملات تمشيط واسعة لمطاردتها. العشوائي..."كلشي عاين باين" إذا كانت أغلب الجماعات قد انخرطت في ورش تحديث البنيات التحتية استجابة لجميع متطلبات السكان وتوفير سبل العيش الكريم، فإنه بالدروة يتضح أن قطار التنمية مازال يسير بسرعة السلحفاة، إن لن يكن قد توقف في منتصف الطريق، وهو ما يظهر جليا من خلال انتشار البناء العشوائي. ويكفي القيام بجولة قصيرة لاكتشاف أحياء مازالت تقبع في مستنقعات الفوضى، بتعايش سكانها مع "البراريك" والمنازل الجديدة وكذا بناء طوابق عشوائية تفسد الجمالية، فالزائر لا بد أن تثير انتباهه مبان عصرية لكن طابعها المعماري يغلب عليه العشوائي، سواء من خلال تحويل شرفات إلى غرف مسقفة ب"القصدير" أو استغلال الأسطح لإضافة طوابق مهددة بالانهيار. وعاينت "الصباح"، كيف أصبح البناء العشوائي يتمدد وصار يزاحم المشاريع السكنية الجديدة، إذ هناك من سكان الدواوير من استغل غياب آليات المراقبة والمساءلة التي تختص بها السلطات المحلية لإضافة بنايات من الطوابق تشكل تهديدا لحياته وباقي أفراد الأسرة. "بزناسة" يتحدون الحملات الأمنية رغم أن مصالح الدرك بالدروة، تشن بين الحين والآخر، حملات أمنية واسعة تستهدف عددا من المشتبه فيهم بباقي الأحياء الأخرى، إلا أن دوار الحجام وأحياء سكنية بحي الوحدة تشكل الاستثناء، بعد أن أصبحت فيها أماكن مستوطنات لعدد من تجار المخدرات والخمور "كرابة" وملجأ للمدمنين على استهلاك الممنوعات، الذين تدفعهم "البلية" للتستر على هذا النوع من الأنشطة المحظورة المهددة للأمن والنظام العامين عوض إبلاغ الجهات المختصة التي تقوم بمجهودات جبارة لمطاردة المشتبه فيهم، وهو الأمر الذي شجع "بزناسة" على اتخاذ الدروة منطلقا لترويج "البوفا" و"الحشيش" و"القرقوبي" بعيدا عن المساءلة. ومن الحقائق التي لا يختلف حولها اثنان، أن "البزناسة" و"الكرابة" بعد تشديد الخناق عليهم من قبل المصالح الأمنية ببرشيد والبيضاء، اضطروا للفرار إلى الدروة لمباشرة أنشطتهم المحظورة، مستغلين بنيتها التحتية المساعدة على تفريخ الجريمة للاختباء ومضاعفة عمليات التهريب والترويج، حتى أضحت المنطقة معروفة بـ "مخدر "البوفا" وغيره من أنواع "البلية". وشكلت مناطق الخلاء وبعض البنايات المهجورة مرتعا آمنا لتجمع المشتبه فيهم وفضاء لترويج المخدرات وحيازة أسلحة بيضاء، وهي التجمعات المشبوهة التي تعتبر مسرحا لوقوع أحداث إجرامية، يستغل فيها الجانحون والجناة الظلام الدامس الناتج عن ضعف الإنارة العمومية بسبب الأعطاب التي تعانيها بعض الأعمدة الكهربائية وانعدام أخرى، في مشهد يجعل الزائر يعتقد أن "الدروة" تعيش تحت وطأة التسيب، في ظل قلة الموارد البشرية لعناصر الدرك الملكي المحتاجة لتدعيم فرقها وبناء مراكز متعددة لتشمل منطقة أضحت مدينة قائمة بذاتها. احتلال الملك العام... غياب السلطة دخول طاقم "الصباح"، إلى بعض الأزقة والشوارع بالدروة كان بمشقة الأنفس، ولعل مشروع المسيرة خير مثال على طغيان معضلة احتلال الملك العمومي على مناحي الحياة اليومية لسكان جماعة تعاني الإهمال والفوضى، وتداعيات ذلك على عرقلة حركة السير ومرور الراجلين، وما يعنيه ذلك من تهديد للأمن والنظام العامين، بسبب خصام المحتجين على باعة جائلين استوطنوا الشوارع وحولوها إلى أسواق عشوائية. وتفشت مظاهر احتلال الملك العمومي بالدروة في تحد سافر لمشاعر المتضررين، سواء كانوا سكانا أو زوارا، في غياب لتحركات السلطات المحلية والجهات المسؤولة لمحاربة ظاهرة تسيء إلى المرفق العمومي وجمالية ورونق الأحياء السكنية وتمس بأساسيات العيش المشترك، المبني على قيام تفعيل الحقوق والواجبات. ذعـر ورعـب "ما قدو فيل زادوه فيلة"، مثل يصلح إسقاطه على الوضع الذي صار يتخبط فيه سكان الدروة، إذ في الوقت الذي يمني فيه سكانها النفس في إخراج منطقتهم من العشوائية ووضع حد لمعاناتهم مع البطالة والتهميش، وجدوا أنفسهم ضحية لموضة الكلاب الشرسة، التي تجتاح أزقة وشوارع المنطقة، وهو ما تسبب في إثارة الذعر في صفوف الأسر، خاصة النساء والأطفال، الذين يتخوفون من تعرضهم للعض من حيوانات يعتبرها أصحابها أليفة، بينما هي تشكل قلقا لمن يعانون فوبيا "الكلاب" وكذا للنساء الحوامل وكبار السن والأطفال، في ظل عدم دراية مربيها بأساسيات تربية حيوان خطير. ومن السلوكات التي تستدعي تدخل السلطات المختصة، حرص عدد من القاصرين والمشتبه فيهم على مصاحبة الكلاب الشرسة المدربة في جولات وسط الأحياء السكنية، واستعمالها في ممازحة أبناء الحي وكذا في التحرش بالنساء والفتيات، إضافة إلى ملاعبتها وإطلاقها للجري بحركات استعراضية، رغبة في لفت الانتباه ونيل الإعجاب، دون إغفال اختيار عصابات اللصوص اعتراض سبيل ضحاياها بهذا النوع من الكلاب، لشل حركة الشخص المستهدف وسرقة ما بحوزته. وفي ظل انتشار سلوكات تربية الكلاب الشرسة واستعمالها في غير محلها، أضحى من المستعجل قيام السلطات المختصة بتدخل حازم لحجز كلاب مازال أصحابها قاصرين عن إدراك كيفية تربية حيوانات خطيرة تشكل تهديدا حقيقيا لأفراد المجتمع، خاصة أن حرية الشخص تنتهي عند المساس بحرية الآخرين. الكلاب الضالة..."كملات الباهية" الوضع المتردي الذي يقلق راحة سكان الدروة يزداد قتامة يوما بعد آخر، في ظل غياب الجهات المختصة لتفعيل المسؤوليات الملقاة على عاتقها، وهو ما أدى إلى بروز ظواهر ومعضلات أخرى، تتمثل في انتشار الكلاب الضالة بشكل لافت، حيث أضحت تسبب الإزعاج بنباحاتها ومعاركها الضارية في أوقات متأخرة من الليل وبث الرعب في نفوس الأطفال والنساء. وتعاني أغلب أحياء الدروة انتشار الكلاب الضالة، خاصة التي تتميز بسلوكها العدواني، وهو ما أصبح عائقا لدى سكان المنطقة لقضاء أغراضهم ومصالحهم الحيوية، وعائقا أمام الراغب في الالتحاق بمقر عمله وباقي الفضاءات التجارية أو الإدارية أو العودة إلى بيته. ومن المشاهد التي وثقتها "الصباح"، بالصور، احتلال الكلاب الضالة لعدد من الأرصفة والمدارات والمناطق الخالية القريبة من المشاريع السكنية، وكذا مطارح الأزبال، إذ اختارت الانتظام في مجموعات، سواء في سكناتها أو حركاتها، التي أضحت تقلق راحة السكان والمارة، خوفا من عضة خطيرة تهدد سلامة وحياة ضحيتها. طرق متردية... غلبة الحفر "ملي تكون غادي عنداك طيح فشي حفرة..."، من بين العبارات التي جاءت على لسان أحد السكان، وهو يحاول مساعدة طاقم "الصباح"، أثناء الاستنجاد به للوصول إلى مناطق معروفة بالبناء العشوائي وسوء البنية التحتية، وهو ﺍﻟﻮﺿﻊ ﺍﻟﻤﺘﺮﺩﻱ الذي تم الوقوف عليه، بعد معاينة مشاهد تحول أغلب الطرق بالدروة إلى حفر ومستنقعات تهدد مستعمليها. وﺃﻟﺤقت الطرق المتردية التي لم تعد صالحة للاستعمال، ﺃﺿﺮﺍﺭﺍ ﻛﺒﻴﺮﺓ بعربات مستعمليها، الذين ﺃﺻﺒﺤﻮﺍ ﻣﻀﻄﺮﻳﻦ ﺇﻣﺎ ﻟﻠﻤﻐﺎﻣﺮﺓ أو ﺍﻟﺘﻨﻘﻞ ﻋﺒﺮﻫﺎ ﻭﺗﻌﺮﻳﺾ ﺳﻴﺎﺭﺍﺗﻬﻢ ﻟﻠﺨﻄﺮ ﻭﺍﻟﻀﺮﺭ المادي، ﻭﺇﻣﺎ ﺗﻐﻴﻴﺮ ﺍﻻﺗﺠﺎﻩ ﻭﻗﻄﻊ ﻣﺴﺎﻓﺎﺕ ﻃﻮﻳﻠﺔ ﻟﻘﻀﺎﺀ ﻣﺼﺎﻟﺤﻬﻢ، ﺑﻌﻴﺪﺍ ﻋﻦ ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ السيئة التي تتوعد سالكيها بمفاجآت غير سارة. ومن الأمور التي تثير ﺍﻟﺪﻫﺸﺔ ﻭﺍﻻستغراب، ﺭﻏﻢ ﻣﺎ تعيشه الطرق والبنيات التحتية بالدروة ﻣﻦ ﺗﺨﺮﻳﺐ ﻭ ﺗﺪﻣﻴﺮ ﺷﺎﻣﻞ، أن ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﻦ بالجماعة ﻟﻢ ﻳﻘﻮﻣﻮﺍ ﺑﺄﻱ رد فعل ﻹﺻﻼﺡ ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ واكتفوا بالتفرج ﻋﻠﻰ ﻣﺤﻨﺔ ﻭﻣﻌﺎﻧﺎﺓ ﻣﺴﺘﻌﻤﻠيها، مكتفين بتطبيق شعار "كم حاجة قضيناها بتركها".