معاناتهم تتفاقم ومطالب بإطلاق إستراتيجية ناجعة وتوفير مصادر طاقية مبتكرة حشرت موجة البرد القارس، سكان مدن جهة فاس، في منازلهم بحثا عن دفء مفقود بشوارعها الموحشة ليلا. وأخرجت زملاءهم بقرى نائية، سيما بالأطلس المتوسط، لأعالي الجبال بحثا عن حطب لا قدرة لجيوبهم على شراء ولو القليل منه أمام ارتفاع أسعاره في سوق لا يرحم الفقراء منهم ممن لا وسيلة ولا حيلة لهم لتدفئة أجسادهم، غيره. إنذار مديرية الأرصاد الجوية بتدني درجات الحرارة هذا الأسبوع، دق ناقوس الخطر والتأهب، معلنا بداية معاناة يومية يتجرع مرارتها كل سنة، سكان جبال بأقاليم إفران وبولمان وصفرو وتازة وتاونات، وحدهم يدرون وقع البرد على أجسادهم المحتاجة حطبا ولباسا يدفئها في زمن أرهقت أسعار مواد استهلاكية جيوبهم المثقوبة. إعداد: حميد الأبيض (فاس) -تصوير: (أحمد العلوي المراني ) انطلق الزحف لحيث الحطب متاح وإمكانية التحوز به ممكنة، مبكرا قبل أن يكسو البياض الأرجاء، سيما بقرى ما زال الحديث عن أفران كهربائية غير قائم بها. رحلات يومية تقوم بها نساء ودواب لجمع "عود يابس" يخفف عن الأسر وطأة برد لا يرحم غير المسلح بملابس صوفية ووسائل تدفئة منازل وضيعة محرومة من الكهرباء والدفء. طريق "الصمقلي" الساعة تشير إلى الواحدة، زوال الاثنين الماضي، أول أيام موجة البرد القارس وتدني درجات الحرارة الدنيا، كما أشعرت بذلك مديرية الأرصاد الجوية في نشرتها الإنذارية. حركة السير في الطريق بين فاس وإفران، ضعيفة. البرد وتدني درجة الحرارة إلى ما تحت الصفر، عنوان حديث مشترك وواقع لا مفر منه للعابرين في الاتجاهين. على طول الطريق شكل الدخان المتصاعد من أفران، نقطة تلاق توحد منازل مجاورة لها، سيما على مشارف إيموزار كندر بدت الحركة بها أقل من المعتاد والمألوف كلما ابتهجت ولبست جبالها بياضا ناصعا، ما تأجل هذا العام عكس ما بجبل بويبلان وضاحيته، كساهما الثلج مبكرا وشكل مصدر موجة البرد لكل المناطق المجاورة وإلى فاس. قوافل دواب الحطب تأخر ظهورها بهذه الطريق رغم قساوة البرد يحس بوقعها العابر كما القاطن، عكس ذاك بين إفران وجبل هبري مرورا بميشلفين، وحيث الزحف للغابات بحثا عن حطب التدفئة، أنشط بهذا المحور وفي اتجاه كيكو وبولمان عبر الطريق الجهوية، في يوم لم تخفف شمسه الدافئة من وقع برد يقسو على الأجساد. برد لا حيلة لدرئه غير إيقاد نار بما توفر من حطب لتدفئة أجساد منهكة في مشاهد مألوفة بالتوغل عبر الطريق الجارية تهيئتها وتوسيعها خروجا من إفران. أولها مشهد 4 عمال بالورش التفوا حول موقد محاطين بكلاب حراسة بدورهم تضرروا من موجة البرد، كما قردة وطيور شوهدت تأخذ حمام شمس بجانب الطريق ووسطها أحيانا. "الصمقلي. هذا البرد لا يطاق. السمرة كتطيح بالنهار. الله يحسن العوان" يختصر أحدهم حاله وزملائه فرضت عليهم ظروف العمل، تذوق مرارة وضع لا يحسدون عليه. لكنهم محظوظون بتحوزهم بحطب أشجار مقتلعة من جانب الطريق، عكس سكان ممنوعين من ذلك ومن التزود بوسائل التدفئة الطبيعية، من غير "يابس العود". قوافل الحطب على مشارف مفترق الطريقين في اتجاهي بولمان وميشلفين وقبل 8 كيلومترات من محطتها للتزحلق، شوهدت أولى قوافل الحطب قادمة من اتجاه الغابة على يمين الطريق. 4 حمير محملة بالحطب تقودها 3 نساء يقرأ وضعهن من سحناتهن ولباسهن الكاشف لمعاناتهن مع المعيش اليومي ورحلة البحث عن حطب مفقود. نساء يقطن في دوار تافرت على مشارف إفران، تركن "الخيمة" ومن بها، وقصدن الغابة قضين بها ساعات بحثا عن حطب مكلف لأسرهن لا قدرة لها على شراء الكافي منه للتدفئة. لم ترفض كبيرتهن تصويرها والحديث عكس الفتاتين لا تثقان في عدسات الكاميرات والتلفونات، خوفا من استغلال صورهن في فضائح "البوز". "لا يمكن أن تعيش هنا بدون حطب وتدفئة. البرد قارس ودرجة الحرارة تزداد انخفاضا بتهاطل الثلوج" تؤكد كبيرتهن، مؤكدة أن جل الأسر القاطنة في محيط الغابة، تتزود بحاجياتها من الحطب، منها. وأوضحت أن النساء يتكفلن بذلك وجمعه ونقله على الدواب، قبل العودة إلى منازلهن لمباشرة المعتاد والمألوف من أشغالها. للمرأة بهذه المناطق دور مهم، فيما يتكفل الأزواج بالرعي. و"قليلا ما تجد ذكرا يجمع الحطب" تقول هذه الأم ل3 أطفال صغار، مؤكدة أن نساء المنطقة يتحاشين قطع أغصان الأشجار ويكتفين بجمع اليابس والمتساقط أرضا، خوفا من غرامات مصالح المياه والغابات التي لا ترحم كل مترام أو مجتث للأشجار، توفيرا للحطب أو مساحة حرث. لجوؤهن لجمع الحطب بأنفسهن، فرضته ظروفهن الاجتماعية الصعبة التي لا تسمح لأسرهن بشراء الكافي من حطب التدفئة الذي يتضاعف ثمنه كلما اشتد البرد، ولأنه "مصاب نتكافاو غير مع مصروف الخضرة" تقول واحدة من مرافقتي المرأة، كاشفة عن بسمة خفيفة انفرجت ولم تخف ألما داخليا وحدها ومن معها، عالمات بحجمه. البحث عن الدفء البحث عن دفء لا يخص الإنسان فقط، حتى الحيوانات شوهدت على قارعة الطريق باحثة عن دفء شمس لم تذب برودة جو قاس على الجميع. كلاب ضالة تتوسل عطف عابري الطريق وقردة بأحجام وأعمار مختلفة، أخرجها البرد والجوع من الغابة للاصطفاف جانبا ووسط الطريق، أملا في أن يجود عليها سائقون بقليل الطعام والعطف. مشهد القردة تكرر عند مشارف محطة ميشلفين للتزحلق وفي اتجاه جبل هبري، وعلى الطريق الوطنية رقم 13 عند مشارف مدينة أزرو وفي اتجاه شجرة كورو وسط الغابة. حالها يبكي من يعاينها وينظر لعيونها تتكلم لغة لا يجيد قراءتها وفهمها غير المحسين بألم حيوانات تركت لحالها، حيث تقل درجة الحرارة ليلا عن 6 تحت الصفر. "هذه الحيوانات يجب أن تولاها عناية في مثل هذه الظروف الطبيعية الصعبة حتى لا تموت وتنقرض. نحن البشر نتألم لقساوة البرد ونعد العدة للتخفيف منه، للأسف لا نحس بها " يقول خمسيني من أزرو ركن سيارته الخاصة بجانب الطريق الوطنية وانكب وزوجته على جمع حطب التدفئة وشحنه في صندوقها الخلفي لنقله لمنزله. وأوضح أن ظروفه اضطرته للقيام بخرجات أسبوعية مماثلة بحثا عن الحطب، لأن "غلاء المواد الأساسية وارتفاع فاتورة استهلاك الكهرباء، لم يتركا لي فرصة لشراء حاجيات أسرتي من وسائل التدفئة أو استعمال مدفئات كهربائية كما دأبت على ذلك" و"لست لوحدي، فالكثير من الأسر لم يعد بإمكانها شراء الحطب غالي الثمن". العجز نفسه جلي بالنسبة إلى رحل ورعاة قاطنين بجوار الطريق في هبري ونزولا في اتجاه أزرو، توالت السنين ولم يتغير شيء في حياتهم غير امتداد وتوسع "براريك" تؤويهم وماشيتهم أو قطيع مشغليهم، و"لا يمكن العيش فيها شتاء، بدون موقد نار"، سيما بالنسبة إلى الأطفال وعجزة يؤدون ثمن "قلة الشي" من صحتهم تدهورت كثيرا. في انتظار الثلج البرد القارس لم يمنع شبابا من مغادرة منازلهم بدواوير بإفران وتمحضيت، والتوجه لمحطة ميشلفين بحثا عن رزق معلق في انتظار الثلج يكسو الجبل وينعش الجيوب ويدفئها بمدخول موسمي متفاوت، دون جبل هبري بدا فارغا منهم ومن دوابهم الموضوعة رهن إشارة زبناء وسياح مغاربة وأجانب غابوا عنهما في أول الأيام الباردة. 6 خيول وشباب شوهدوا في ذاك الزوال في أماكن متفرقة ملتفين حول مواقد نار أو منهمكين في الأكل والحديث بمحطة أثثت بعربة للمأكولات الجاهزة وأخرى لمنتوجات الصناعة التقليدية المحلية، ولا أثر فيها لغرباء وزبناء راغبين في القيام بجولات استطلاعية للمكان، كما في مواقع أخرى على مشارف الطريق لشجرة كورو. كلهم في انتظار الثلج وزبناء أبعدتهم موجة البرد وتزامن الزيارة مع يوم عمل. استعدوا لانتعاشة سياحية تأخرت بتأخر كسو الجبال بالبياض، دون أن يمنعهم ذلك من الحلم المشروع، كما مبدع تمثال أسد أطلسي ثبته قبل كيلومترين فقط من هبري، طمعا في زبناء ألفوه صانعا لأسود ثلجية تذوب بسطوع الشمس ومضي الموسم. مر شهر ومبدعه علال أوعلا الذي لم يدخل مدرسة ولا تكون في الفن التشكيلي، منهمك في صنع الأسد وتثبيته بعدما انتهى من كتابة وصباغة شعار "الله الوطن الملك" على مرمى حجر منه أسفل الجبل. بناه بالحجر ورسمه بالطين المحشو بالتبن على يسار الطريق في اتجاه هبري، وكساه بالإسمنت قبل أن يزينه بصباغة زادته جمالا. اعتمد علال على إمكانياته وإحسان محسنين، في صناعة التمثال، أملا في استثماره في كسب يساعده وأسرته في تدبر تكاليف العيش وثمن حطب له أولوية قبل الخبز أحيانا، سيما أمام وصوله 60 درهما ل"السرج" )حمولة حمار( ثمنا وتجاوز الكيلوغرام الواحد منه 1.20 درهم أي 1200 درهم للطن الواحد، ما ليس بمستطاع كثيرين. التهاب الأسعار التهبت أسعار الحطب بانخفاض درجة الحرارة، والخاضعة بدورها لتقلبات السوق والاختلال بين العرض والطلب، خاصة أمام الإقبال الكبير عليه واعتماده وسيلة تدفئة أولى بالنسبة إلى سكان القرى وبالمدن الباردة بالأطلس المتوسط، مراعاة لعدم اعتماد كثيرين منهم على وسائل تدفئة كهربائية تساهم في ارتفاع فواتير استهلاك الكهرباء. ويختلف ثمن الطن الواحد منه ولا يقل عن 1000 درهم، ويزداد كلما كان الحطب مجزء لقطع متفاوتة الأحجام. ويبرر تجاره غلاءه بارتفاع تكاليف قطعه ونقله وتجزيئه أمام ارتفاع أسعار البنزين، كما أكد ذلك مستخدمون في محلات خاصة في طريق في اتجاه بنصميم، متفرعة عن تلك بين مكناس وأزرو وعلى مشارفها بكيلومترات. ويتأثر ثمن الكيلوغرام الواحد من الحطب بعوامل متعددة ومختلفة بينها ارتفاع تكاليف العمال واقتناء اليابس منه من مصالح المياه والغابات وتضاعف تكاليف نقله وكلفته للارتفاع في ثمن الكازوال، ما يجعل هامش الربح محددا و"تقلص بشكل كبير مقارنة مع سنوات سابقة كان فيها النقل غير مكلف" يقول تاجر حطب تدفئة. ويساهم ثمنه في ضعف الإقبال عليه راهنا، سيما من قبل أسر محدودة الدخل أو بدونه مراعاة لتدهور أوضاعها المعيشية، خاصة تلك بالمناطق الجبلية ممن يلجؤون للبحث عنه بأنفسهم أو شرائه من قبل تجار بسطاء يجلبونه من الغابة على متن دواب تقارب حمولتها 100 درهم، وعادة ما تستهلك في غضون أسبوع واحد فقط. هؤلاء يعيشون خوفا يوميا جراء احتمال ضبطهم من قبل حراس المياه والغابات وما قد يفرض عليهم من غرامة قد تصل إلى 3 آلاف درهم مراعاة لحجم ونوع الحطب، في ظل ارتفاع الأصوات المطالبة بالتعامل بالمرونة اللازمة مع هؤلاء وسكان جوار الغابة ممن يقاومون قساوة برودة الطقس بحطب متعب جمعه، لكنه لا يكلفهم مالا. محنة حطب التدفئة توفير الحطب وتكاليفه، قاسم مشترك بين سكان كل المناطق الباردة ببولمان وصفرو وتازة، وبنسبة أشد وقعا وإيلاما بجماعات إفران، سيما بتمحضيت وواد إفران وبنصميم، دون أن تنفع مبادرات أطلقت في سنوات سابقة للتخفيف من حدة استهداف الغابة من قبل جيرانها، بما في ذلك توزيع أفرنة حديثة وعصرية عليهم. مئات الأفرنة الاقتصادية وزعت بجماعات إقليم إفران، خاصة بسيدي المخفي ووادي إفران لمساعدة السكان على مواجهة تداعيات موجة البرد القارس وانخفاض درجات الحرارة إلى مستويات متدنية. لكنها لم تحل مشكل النقص في حطب التدفئة في انتظار توفير مصادر طاقية مبتكرة تحافظ على الغطاء الغابوي بالمنطقة. ويحتاج التعامل مع مثل هذه الظرفية المناخية الصعبة وكلما انخفضت درجات الحرارة في مثل تلك المناطق، وضع إستراتيجية تنموية تتوافق مع احتياجات السكان الذين لا يلمسون تطورا في علاقة الجهات المسؤولة معهم، اللهم مما يطلق من حين لآخر من مبادرات شحيحة ومحدودة وحملات طبية لا يستفيد منها الجميع رغم الحاجة لها. ويحتاج السكان لمبادرات طبية واجتماعية تخفف عنهم شدة البرد و"القهرة" عوض ترك "الحبل على غارب اللامبالاة والتناسي"، موازاة مع التحسيس والتوعية بمخاطر استعمال الحطب في ظروف غير صحية على حياة الناس، سيما أمام وقوع وفيات، آخرهم عامل بمقلع للرمال ضاحية صفرو توفي احتراقا بعدما حاول إيقاد نار لتدفئة جسده.