آباء وأمهات فقدوا أبناءهم يسترجعون شريط الذكريات الأليمة بعد أزيد من أسبوعين على الفاجعة التي هزت أهالي الأطلس الكبير، مازالت العبارات المرتجفة على شفاه سكان إقليم الحوز هي نفسها، ومازال تفكيرهم حبيس الماضي، وكأن هؤلاء الناس صنعوا في زمن الغياب، أو كأنهم أطياف غابرة تنبش في الماضي دون كلل ولا ملل، تتفقد الأمكنة والأزمنة في الآن ذاته، فلا أحد يقيس نبض الدمار، هم وحدهم من يدركون وحشة الزمن والمكان.. وجوه لنساء ورجال غارقة في الحزن، ورغم ذلك تحاول أن ترسم ابتسامة في وجوه القادمين، ربما شكرا وامتنانا لكل من مروا من هنا، لتخفيف عبء فراق يأبى إلا أن يعمق جراحهم كل يوم... أزكور وأنكال جماعتان من المغرب العميق، تتربعان بين جبال الأطلس، التي انسكبت عيونها، وكأنها وديان من الدموع، انهمرت حزنا لفراق من يسكنونها أو يقتسمون أرضها، أو كمدا على صخور ذابت وذاب ما فوقها.. "الصباح" عبرت الوديان والممرات والطرق، وجددت اللقاء بسكان أهالي الأطلس بأزكور وأنكال، الذين يهيمون فوق هذه الأرض يتذكرون مرارة آباء فقدوا فلذات أكبادهم، وتحطمت كل آمالهم وأحلامهم، على صخور الأطلس.. إنجاز: محمد العوال (موفد الصباح إلى إقليم الحوز) نقطع مسافة تقدر بحوالي 58 كيلومترا من مراكش، ونصل إلى قلب أمزميز، ومنه نعرج يمينا، ونسلك طريقنا نحو أزكور، التي خبرنا تضاريسها وطرقها الوعرة... في طريقنا، نلتقي بمبارك أو محند، يبلغ من العمر 48 سنة، لكن ملامحه توحي أنه تجاوز هذا العمر بكثير.. يشير إلينا بيديه، نتوقف على حافة الطريق، ويهرول نحونا، ويطلب إيصاله إلى وجهته، دوار "إدا وزروت" بجماعة أزكور.. كنا في طريقنا إلى دوار ثلاث، لكن المسار سيتغير.. ونحن في طريقنا كان الصمت يخيم علينا، اللهم صوت المذياع، قبل أن يتلقى امبارك مكالمة هاتفية، "لا لن أقدر على العودة، فالزوجة تركت لي ابنة، وأنت أدرى مني بمسؤولية تربية الابنة، والسهر على استقرارها"، يقول مبارك ردا على مخاطبه هاتفيا. أنهى المكالمة، تنهد تنهيدة تردد صداها بين الجبال، وعض على شفتيه، وأمسك بكل قوة على هاتفه، وردد "الصبر"، واستسلم مرة أخرى للصمت. حاولنا إخراجه من حالة الصمت، فانطلق يحكي مسار حياة، دفعته للاغتراب عن بلدته، واختار أكادير للاشتغال مياوما هناك، يغيب لشهرين أو ثلاثة ويعود إلى حضن أسرته. يحكي امبارك خلال هذه الرحلة التي استمرت أزيد من ساعة، عن فقدان شريكة حياته، التي تركت له طفلين الابن يبلغ من العمر 16 سنة والابنة 17 سنة. صخر يذيب أرواح ملائكة نصل إلى دوار "إدا وزروت"، الذي هدمت منازله وتحولت إلى أطلال. فبهذا الدوار، شيدت قبل عقود طويلة العشرات من المنازل، فوق صخرة متسعة، لكن مع الزلزال تحطمت المنازل، وذابت الصخرة، وتحولت إلى تراب. فهذا عمر امحند، ابن عم الحسين، فقد زوجته وابنته البالغة من العمر 15 سنة، والتي كانت تتابع دراستها بالسلك الإعدادي بإعدادية أزكور. يمسك بيديه خلف ظهره، ويخطو يمينا وشمالا، وهو يحكي بمرارة فقدان ابنته، "لقد رحلت إلى الجنة، إنها ملاك طاهر لا ذنوب عليها".. لا يتوقف عمر للحظة في تعداد مناقب ابنته، التي شغفته حبا، ولم يشبع من الجلوس بقربها، شأنه شأن سكان هذه القرية، الذين اختاروا الاغتراب والهجرة بحثا عن رغيف خبز، في منطقة تراجع نشاطها الفلاحي، وهجر الماء وديانها. يجول عمر بعينيه الحادقتين في ركام القرية، ثم يغادر دون أن يلتفت إلينا، ويصل إلى ركام منزله – يخبرنا أحد السكان - لاهثا فوق جسور من الانهيارات، يلتفت هنا وهناك، وكأن جثثا تحت الأنقاض تتحدث إليه. يفرك أذنيه جيدا، وكأننا به يقنع نفسه، بالإنصات إلى صوت قابع تحت الركام. "انظر إلى هناك، إنها المقبرة.. هل تبدو لك؟ هنا دفنت روح حياتي، دفنتها بالقرب من جدها وجدتها ووالدتها، كلهم قضوا نحبهم في الزلزال"، يقول عمر، ويضيف "في بعض المرات، أتسلل خارج الغرفة وأقترب من المقبرة، فيتراءى لي نور ينبعث من القبور، إنهم شهداء، سيشفعون لنا، تمنيت لو مت، وعانقت ابنتي في قبرها"، يقول عمر. سعيدة... أنا يتيمة أبنائي سعيدة ذات 29 سنة، ترملت في سن الشباب فقدت زوجها وثلاثة من أطفالها الذين تتراوح أعمارهم ما بين 7 سنوات و11 سنة.. تعيش الألم كل لحظة.. ظهرت من باب الخيمة، ترتدي جلبابا أخضر، وتضع "حايك" صوفيا أصفر، وتخفي جزءا من ملامح وجهها بمنديل شعرها، وتنتعل نعلا بلاستيكيا. تبدو حزينة منكسرة، بلا أمل.. "أجركم الله لالة"، نقول لها، ومسافة بضعة أمتار تحول بيننا وبينها، فترد بيدها، فتسبقها الدموع إلى نهايات الكلام، فتتراجع خطوة إلى الوراء، وتختفي في الخيمة.. بخيمة أقارب زوجها، تعيش سعيدة، التي لم يحدث أن تحدثت إلى غريب هناك، بحكم تقاليد القبيلة، تعيش الألم يوميا، "فهي لم تعد تجرؤ على النظر إلى وجوه الأطفال، لأنها تتحطم داخليا، وتنهزم، وكأنها تنظر إلى فلذات كبدها، الذين رحلوا عنها في بضع ثوان"، يقول أحد أقارب سعيدة، التي تجلس بالقرب من الوادي، تسبح بمخيلتها بين الأشجار، "لقد خسرت كل شيء، فلا معنى للحياة"، يقول امبارك أومنحد نقلا عن سعيدة، التي تحاول كل نساء القرية أن يخففن عنها وطأة الألم المتجذر في أعماق القلب، الألم الذي يسري دما في أوصالها. فسعيدة، تعتبر نفسها يتيمة أبنائها، "كانت تعتبرهم أملها الوحيد في الحياة، وقنديلها الذي ينير ظلمة الحياة وقسوتها، لكن كل شيء راح، واختارت سعيدة، أن تنكمش في هذه الخيمة، تحكي لنفسها عن حزن يضيق به صدرها. لم تعد النفس قادرة على استيعاب حكايات من الألم بهذا الدوار الذي مات فيه أزيد من 70 شخصا، منهم حوالي 25 طفلا وطفلة.. نغادر القرية، وفي طريقنا نلتقي أطفالا بجمال شاحب، يلعبون الكرة هناك، وكلهم أمل، لا تكسره سوى دموع آباء أو أمهات فقدوا أبناءهم. شفافية اليأس وقوة الانكسار نصل إلى دوار الثلاث، ونلتقي بالحسين أيت علا، وبمجرد الاقتراب منه، عانقنا وكفكف دموعه.. يأخذنا لمسافة، حتى نصل مقبرة الدوار، ونقف أمام سورها الذي بالكاد يصل إلى متر من العلو، ويشير "هنا دفنت ابني، قلبي يعتصر ألما"، ونادى على زكرياء ابنه الوحيد الذي تبقى بعد أن فقد ابنيه، ويقبض على يديه، ونتوجه نحو الخيمة، وهناك نجلس بالقرب منها. وأنت تنصت للحسين، بعد أزيد من 15 يوما عن رحيل ابنيه، تشعر أن حديثه يحمل اليأس المثخن بالجراح، وقوة انكسار الأمل، وحين تحدثه عن أفقه ، وأن الحياة ستستمر رغم كل الآلام، تجد أن الترحال والتجول بين جغرافيا الوطن، لم يعد حلم أمل أو إشراق بالنسبة للحسين، فلا الرحيل عن الدوار ولا العودة إلى ورشة العمل يغريانه، إنه يعيش حياة المنفى.. تتراقص صور طفليه، وهما يلعبان بالدوار، ويداعبانه حين يعود متعبا من العمل، يتذكر ابنه البكر، الذي كان يأمل أن يكون دركيا كأحد أبناء الدوار الذي يشتغل اليوم بأكادير، يتذكر حينما طلب منه ابنه وهو في سن صغيرة لباس دركي أو شرطي، وكأنه يصر على تحقيق طموحه في الصغر، قبل الرحيل عن الحياة. يوصل الحسين الليل بالنهار، يسترجع شريط الذكريات، كما يسترجع ما كانت تحكيه زوجته التي ماتت هي الأخرى، عن شغب طفليه، اللذين قضيا نحبهما. عندما تغادرك إرادة المحارب ومن أزكور، نتجه رأسا نحو أنكال، عبر طريق غير معبدة، انطلاقا من أزكور. بدوار إمي نتالا، حيث أطفال في عمر الزهور قضوا نحبهم، ومازال آباؤهم يتفقدون الأمكنة، ويسترجعون الذكريات.. الذكريات التي يحفظونها عن ظهر قلب هي ما تبقى، بعدما تحولت المنازل إلى مجرد أكوام من التراب. "كم من الوقت، لاستخراج رفات أبنائنا، كم من الألم قطع أوصالنا" يقول مصطفى الذي فقد ابنيه. تهشمت في مخيلته كل الصور وكل الآمال.. حتى البستان الذي كان يسقيه احترق ولم يعد يستهويه سقي بضع شجيرات، ولا انتظار موسم الحرث، فهو الذي يشعر وكأنه تشرد بين الجبال، يوصل الليل بالنهار ويعيد الكرة كل يوم، دون جدوى.. يعيش مصطفى صراعا داخليا، "فأنا أشتاق إلى أبنائي، إلى حضنهم، أعاتب نفسي، على تركهم هناك والذهاب للبيضاء للعمل، كم من عمر قضيت رفقتهم، كم مرة أحسوا بالجوع ولم يجدوني، كم مرة اشتهت أنفسهم شيئا ولم يحصلوا عليه، كم أنا بئيس، خذلتهم مرتين.. في حياتهم حينما اعتقدت أن العمل بعيدا عنهم هو سعادتهم، ومرة حين زلزلت الأرض تحت أقدامهم وأنا في البيضاء بعيدا عنهم ثانية أخرى"، يقول مصطفى الذي مد رجليه أمامه، ووضع راحتيه وراء ظهره، وهو يلوم نفسه. مصطفى لم يتعد بعد سن الأربعين، غير قادر على استيعاب فراقه ابنيه، منذ أسبوع تقريبا، تغيرت حياته، وصار يبكي ليل نهار، يعاتب نفسه ويلومها، بعدما كان أكثر قوة وصلابة. فلم تعد لمصطفى طاقة الصبر والانتظار، وغادرته إرادة المحارب في منازلة الغياب، وصار يصد بوجهه كل من حاول مواساته. الوجوه التي أمامنا تتابع باندهاش حكي مصطفى، فتنفجر دفعة واحدة، فاتحة جداول النحيب. ملاك ينسل إلى القبر حال العربي، ليس بأحسن حال من مصطفى، فالعربي ذو 54 سنة، لم يعد يتذكر كم من اللحظات صرفها بالتفكير في الموت، وكل تلك الارتجافات والهواجس، التي تطارده، وهو يسترجع شريط ذكرى دفن ابنته ذات 16 سنة بيديه، "وضعتها كملاك وديع، انسلت بسرعة إلى القبر، وكأنها ترى أن موضعها في القبر، خير من دنياها، كانت ابتسامتها وهي ميتة، تؤنسني وتمنحني بارقة من الأمل"، ويضيف ولكن "كلما مر ردح من الزمن، أحن إلى ابنتي، التي كانت كلما مرضت تداويني بكلماتها وحنانها.. ها أنا اليوم كجذع شجرة مقطوع، إنني أذبل يوما بعد يوم"، يقول العربي مضيفا "خيمتي اليوم موحشة وكئيبة بدون ابنتي، أفضل أن أعيش في العراء أدثر ابنتي بجسدي، على أن أعيش في قصر دون ابنتي". يحكي العربي عن زيارة قبر ابنته، بشكل شبه يومي، "فلا شيء يشغلني عليها، لقد زرتها البارحة، وتعهدت بالوفاء لروحها، وأن أتصدق عليها كل صباح جمعة، ما دمت حيا، ونصيبها من محصول اللوز، سأتصدق به، عله يضيء ظلمة قبرها". ذكريات الصبا تتساقط فقدان الأبناء، أشد الفراق ألما، ألم يتجدد في عيون آباء وأمهات، يرون أطفالا يغادرون خيامهم، يحملون الكراسات أو المحافظ ويعودون عصرا أمامهم، فتتساقط ذكريات أطفال قضوا نحبهم، كسقوط الحجارة من أعلى قمم الجبال، مع كل ارتداد في عمق الأرض. ويتحرك الألم ليحكي القلب قصة فراق مخطوف، فيهيم الرجال كما النساء بين الحقول والجبال، التي تشد بعضها بعضا.. نمضي من هذه القرية، فوق طرقاتها المغبرة، وقصص ألمها المتجدد، تاركين آباء وأمهات يتحدثون إلى أطفال ماتوا أحياء، لازال طيفهم يطاردهم، وحدها عيون تفجرت بين هذه القرى تحاول أن تلملم جراح القبيلة، وتبعث فيهم، رغم كل الحزن، بصيصا من الأمل.