< د. خالد الحري كسب المغرب الرهان في ظرف أقل من أسبوع. وأطل برأسه عاليا ومرفوعا من بقايا الدمار والأنقاض، متجاوزا، (بخبرة الكبار)، أشد اللحظات صعوبة في فاجعة طبيعية غير مسبوقة، أتت، في ثوان، على الأخضر واليابس والبشر والحيوان والنبات. في سبعة أيام معدودات، حقق المغرب ما لم تحققه أمم ودول ومجموعات عريقة في شهور وسنوات، إذ تكاد الصورة تعود إلى وضوحها في المناطق المتضررة، وتضبط الساعة على عقارب الحياة من جديد، ويعود السكان إلى دورتهم الطبيعية، كأن شيئا لم يحدث. حطم المغاربة، في أسبوع فقط، قلوب هؤلاء الذين راهنوا على الفشل والانهيار السريع، وتحينوا الفرصة، منذ بداية الفاجعة، وواصلوا زرع الأحقاد وسط الدمار، وداسوا على أجساد موتانا وجرحانا، وتشفوا فيهم على شاشات العالم، وروجوا الإشاعة، وصنعوا من "الحبة قبة"، وهم ينتظرون، بفارغ الصبر، لحظة السقوط، ورفع الراية البيضاء استسلاما. فخاب ظنهم. فكلما مر يوم من فاجعة الأطلس الكبير، تشعر أن المغرب، ملكا وحكومة وشعبا، يقود الأزمة اعتمادا على لوحة قيادة واضحة المعالم لا مجال فيها للخطأ، وهو ما أزعج البعض، وهم يتابعون توالي الخطوات والقرارات والإجراءات في سلسلة منتظمة، تنفذ بسلاسة على الأرض وتعطي أكلها في الحال. فمن العمليات الأولية التي انطلقت في مناطق الزلزال ساعة وقوعه، وعمليات الإنقاذ والإغاثة ونقل الموتى والمصابين إلى المركز الجامعي الاستشفائي بمراكش، مرورا بإطلاق مبادرات الدعم للسكان المتضررين والضحايا، بدا أن الوضع كان كليا تحت السيطرة، ولا يحتاج سوى إلى تدخل من ملك إنسان، أعطى تعليماته إلى الأجهزة والمؤسسات برفع إيقاع التدخلات، كل حسب تخصصه. وأعطى التدخل الملكي زخما جديدا للعمل الميداني، الذي تعزز بوصول قوافل إنقاذ وتجهيزات ومعدات من دول صديقة وشقيقة، والتحم بعطاءات شعب صنع من شرايينه جسر دماء لإسعاف النازفين من المصابين في حالات حرجة. وواصل الشعب، بجميع مكوناته، ملحمة العطاء بإطلاق شلال من المساعدات والتبرعات، التي تدفقت من الجهات الأربع، إذ وقف العالم بفم فاره، وهو يحصي آلاف المسيرات والقوافل التي وصلت إلى المنطقة، ويتأمل مشاهد مواطنين تبرعوا بآخر حبة قمح لديهم، وآخر قطرة زيت وحليب. مبادرات غزيرة من الدولة والشعب كانت كلها تتحرك على شاشة قيادة واضحة، لا مجال فيها للهواية، مهما حاول البعض التشويش عليها. وهي اللوحة نفسها التي استدعت، في هذه اللحظة، إطلاق حزمة قرارات جديدة، تتجاوز معالجة الأزمة إلى استشراف المستقبل، وتعبيد الطريق لعودة السكان المتضررين إلى حياتهم الطبيعية في أقرب وقت، في شروط تحفظ الكرامة والخصوصية. كل شيء في مكانه، وفي وقته بالتحديد. خطوة تلي خطوة، وقرار بعد قرار، وإجراء تلو الآخر، ينحت معالم بلد لا يقهر. قد ينحني هنيهة، لكن لن يسقط أبدا.