< د. خالد الحري الوضع سيء، وقد يزداد سوءا في الأيام المقبلة، بوصول سلم المواد الغذائية الأساسية وأسعار المحروقات إلى مستويات غير متوقعة، أربكت ميزانيات الأسر التي مازال بعضها في عطلة صيفية، بينما تستعد أخرى لموسم دراسي حارق على الأبواب. وتستمر ألسنة الأسعار في التهام أغلب أنواع الخضر والفواكه بأسواق الجملة الكبرى والفضاءات التجارية وأسواق التقسيط بالأحياء الشعبية، إذ يشكو المواطنون زيادات مهولة و"غير مفهومة"، منذ أيام، لا علاقة لها، في تقديرنا، بتداعيات موجة الحرارة الاستثنائية، التي عرفتها منطقة سوس ماسة، منتصف غشت الجاري، على وجه التحديد، والتي ستظهر نتائجها الوخيمة على الإنتاج في أكتوبر ونونبر المقبلين. وكما تحرق "قفة المواد الغذائية الأساسية" جيوب المغاربة، "تحترق"، أيضا، خزانات السيارات، بزيادات مطردة لأسعار "الكازوال" والبنزين، إذ لم تعد الزيادات دورية (مرة كل نصف شهر)، بل انتقلت إلى عداد شبه اليومي (كل يوم بسعر جديد). وقد تكون الحكومة انتبهت، في مجلسها أول أمس (الخميس)، إلى هذا الوضع، وربطته بسوق المحروقات المضطربة دوليا، وأقرت دعما استثنائيا جديدا لمهنيي النقل، لكن ذلك ليس كافيا لنزع فتيل الأزمات، التي يمكن أن تؤثر مستقبلا على القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصا الطبقة المتوسطة. في الظاهر، يبدو أن جل المغاربة "ما خاصهم حتى خير"، إذ يقضي أغلبهم أوقاتا من المتعة والفرح والاستجمام بالمنتجعات والشواطئ والمدن الساحلية، أو تلك القريبة من الجبال والوديان، لكن هذا "الرواج الصيفي"، لا يقدم صورة حقيقية عن الواقع، بل يضفي صورة مشوشة، ومزيفة، شديدة الخطورة على المستقبل، في ظل استمرار النزيف الحاد الذي تتعرض له المدخرات الذاتية، أو الاعتماد شبه الكلي على القروض البنكية الجديدة. لقد مكن الاقتصاد الداخلي للأسر، قبل سنوات "كوفيد 19"، من توفير بنية مهمة للادخار، استعملت في الوقت المناسب لتلقي الصدمات والأزمات، التي وقعت بين 2019 و2022، على وجه التحديد. لكن هذا "البارشوك" لم يعد موجودا الآن، لأن أجزاء منه تعرضت إلى الانهيار، بسبب دوامة غير منتهية من الأزمات، بعضها موضوعي، يتعلق بالتحولات الجيوسياسية الدولية، وعلاقتها ببنيات أسعار المواد الأولية (خصوصا النفط) وبسلاسل التوريد والإنتاج العالمي، وبعضها سماوي يتعلق بالتغيرات المناخية غير المتحكم فيها، إضافة إلى عوامل ذاتية، لها صلة مباشرة بالرؤية والاستباق وتهييء الحلول، وعدم الانتظار حتى تقع "الفاس في الراس". إن ما يجري، اليوم، في المغرب وما نشاهده في الفضاء العام، مجرد "فقاعات" وغنائم لاقتصاد غير مهيكل، يحقق صمودا مؤقتا للمنتفعين به، لكن لن يكون الحل الأمثل لاقتصاد وطني متماسك ومنتج وحيوي، تشكل حماية القدرة الشرائية للمواطنين، أهم ركن فيه. فمتى انهارت هذه القدرة... انهار كل شيء.