عمال يباشرون أشغال الصباغة وإصلاح قطع الزليج والواجهات المهترئة عيوب البناء تخفي غابة التجاوزات وصراع لوبيات العقار والسياسة بالريف تسارع شركات محلية للصيانة والصباغة والسباكة الزمن لإصلاح عدد من الاختلالات والأعطاب الجسيمة التي خلفتها وراءها مقاولات البناء والتجهيز المتعاقدة مع الشركة العامة العقارية، فرع صندوق الإيداع والتدبير، لتهييء إقامة بادس الفاخرة، أو شطر المساكن «اوت ستوندين»، أحد أشطر مدينة بادس العقارية المطلة على كورنيش صاباديا بالحسيمة. وعاينت «الصباح»، أمس (الاثنين)، عددا من العمال والتقنيين ورؤساء أوراش، جلبتهم الشركة صاحبة المشروع بالتنسيق مع السلطات الإدارية والمحلية، يتوزعون على العمارات الاثنتي عشرة التي تضم أكثر من 50 شقة من النوع الرفيع تطل من هضبة عالية على البحر الأبيض المتوسط.ويباشر العمال والمياومون، على قدم وساق، أشغال الصباغة وإصلاح قطع الزليج والواجهات المهترئة وتغطية الشقوق وإزالة قطع القرميد من النوع الرديء التي وضعت كيفما اتفق فوق أسطح وشرفات الشقق، وتعويضها بقطع جديدة وإعادة تثبيتها حتى لا تسقط، كما وقع في عدد من المرات، على رؤوس المارة والسكان وتهشم واجهات سياراتهم كلما هبت نسمة ريح.من شرفة عالية، يصرخ مهاجر يرتدي ملابس صيفية بأعلى صوته، ويقول «اللهم إن هذا منكر» وهو يشير إلى أعمدة الكهرباء الصغيرة الموضوعة وسط الإقامة من أجل توفير الإنارة «دابا ربع سنين وهاد البوطوات واقفين علينا بلا ضو وقراب يطيحو علينا وعلى وليداتنا».يرفع المهاجر من حالة التذمر، حين يتعرف على هوية صحافيين وسط الإقامة، «عيينا ما نشكيو... ربع سنين وحنا طالعين هابطين على هاد المشكل وخلينا خدامينا واولادنا في أوربا.. ما كاين حتى حل، ودابا حيت تحرك سيدنا كلشي خدام وجا كيصلح، هاد شي كان يدار سنين هادي...».يستمر المهاجر في التذمر، ويتدخل أحد أعوان الحراسة لتهدئته، مؤكدا لـ «الصباح» أن الوضع صعب بالنسبة إلى عدد من المهاجرين الذين دفعوا كل ما يملكون لشراء شقق بهذه الإقامة قبل أن يتحول الأمر إلى كابوس مزعج.وقال إنه كان شاهد عيان على حالات إغماء وصراخ هستيري يطلع من وسط الشقق، حيث تفاجأ السكان الجدد بالأسقف تخترقها شقوق وتكاد تسقط بعد أن تسربت إليها مياه الصرف الصحي والماء الصالح للشرب، بسبب رداءة التجهيزات والقنوات المستعملة.وقال الحارس إن أحد السكان، الذي فاضت عليه مياه الصرف الصحي، هرع إلى خارج الشقة وسقط مغمى عليه وسط ساحة بالإقامة، وصادف ذلك وجود والي جهة الحسيمة تازة تاونات الذي كان في زيارة معاينة في إطار تحقيق داخلي، وطلب حمله إلى المستعجلات.عزا عضو بلجنة تحضيرية لجمعية للسكان والمقيمين قيد التشكل للدفاع عن حقوقهم، رفض الكشف عن اسمه قبل انعقاد الجمع العام، هذه التحركات وحالة الاستنفار التي تشهدها الإقامة منذ ثلاثة أيام إلى التطورات الأخيرة التي شهدها الملف، حيث تدخل جلالة الملك، الموجود بالمنطقة لقضاء عطلته السنوية، لإعطاء تعليماته لوزيري الداخلية والمالية لفتح تحقيق ومتابعة الاختلالات التي عرفها المشروع وكانت موضوع عدة شكايات وتظلمات وصلت إحداها إلى جلالة الملك.وقال المصدر نفسه، الذي كان بالمكان عينه يتابع أشغال الصيانة، «إن هذه الإصلاحات جاءت متأخرة جدا، وكان من المفروض أن تحرم الشركات المكلفة بالمشروع والبناء والتجهيز من رخصة السكن إلى حين التأكد من مدى مطابقة البناءات لدفاتر التحملات والتصاميم التي على أساسها وافق السكان، و90 في المائة منهم من المغاربة المهاجرين، على التضحية بأموالهم للسكن في المغرب».وأردف «أن أغلب المقيمين وافقوا على الأسعار المرتفعة التي عرض بها المشروع عليهم، ومنهم من دفع المقابل «كاش» فوق الطاولة للاستفادة من شقق بمواصفات خاصة تطل من ربوة على البحر والكورنيش وتحفها المناطق الخضراء والحدائق وفضاءات الترفيه من كل جانب، قبل أن يتحول كل ذلك إلى مجرد كوابيس لا علاقة لها بالواقع».وأوضح أن الحدائق والفضاءات الخضراء لم تنجز إلى حد الآن رغم مرور أربع سنوات على الانتهاء من المشروع وبعد سنوات من رحيل الشركة المكلفة بالبناء والتجهيز، كما أن الطرق والممرات المؤدية إلى الإقامة بقيت على حالها منذ ذلك اليوم، وهو ما عاينته «الصباح» التي وجدت صعوبة في الوصول إلى الإقامة وسط طرق وممرات أغلبها متروك لحاله دون صيانة.في أعلى طابق من العمارة رقم 8، المطلة على البحر، ينهمك أحد الصباغين في إعادة صباغة الواجهات التي تآكلت بالكامل وطالتها الشقوق، وقال لـ «الصباح» إن الصباغة المستعملة من الدرجة الثالثة، وكان طبيعيا ألا تصمد إلا سنتين على أبعد تقدير لوجود الإقامات قرب البحر، والحال أن أصحاب المشروع كان عليهم استعمال صباغة من الدرجة الأولى مقاومة للرطوبة وتساعد على عدم تسرب مياه الأمطار إلى الشقق».وتخفي الاختلالات والعيوب التي ظهرت وسط الشقق والواجهات، حسب عدد من المصادر التي استمعت إليها «الصباح»، عددا من التجاوزات المالية والتقنية التي طالت هذا المشروع العقاري (مدينة بادس) المندرج في إطار مخطط إعادة إعمار الحسيمة وهو المخطط الذي يخلد هذه السنة مرور عقده الأول (2014/2004).وقالت مصادر «الصباح» إن عددا من الجهات ستطولها المساءلة والتحقيق والمتابعات، منها مسؤولون بالجماعة الحضرية وقسم التعمير بها والوكالة الحضرية ووزارة السكنى والتعمير والشركة صاحبة المشروع (الشركة العامة العقارية) والشركة المقاولة التي فازت بصفقة البناء وشركات المناولة التي قامت بالتنفيذ والمسؤولون عن المراقبة وإعطاء الرخص والمتابعة.وأكدت المصادر أن «مدينة بادس» تعد الجزء الظاهر من جبل الفضائح الغارق تحت خليج الحسيمة، كما يفضح هذا المشروع الحروب الخفية بين لوبيات العقار التي يختلط فيها المالي بالحزبي والسياسي ونوايا بسط النفوذ على منطقة معروفة بحساسيتها التاريخية ومرتبطة بالمشروع السياسي الكبير لإعادة الاعتبار الرمزي والمعنوي لمنطقة الريف وإنجاز مضامين برنامج الإنصاف والمصالحة تجاه أبناء وحفدة المجاهد عبد الكريم الخطابي.يوسف الساكت (موفد الصباح إلى الحسيمة)