الحكومة تسائل نفسها هل ترون أن الحزب الذي لا يحسن المعارضة لا يمكن له أن يحكم؟ > نحن اليوم، ومن خلال تجربتي المتواضعة في البرلمان، وضعنا ما يشبه حكومة الظل، التي تساعدني في دراسة مشاريع القوانين، التي تأتي بها الحكومة، من أجل تقديم الملاحظات والتعديلات عليها. والحال أننا لم نؤسس بشكل رسمي مركز الدراسات والأبحاث التابع للحزب، ونكتفي بمتابعة كل التقارير التي تصدر عن المغرب سواء من الهيآت الدولية، من قبيل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، أو من المؤسسات الدستورية الوطنية، مثل المندوبية السامية للتخطيط أو بنك المغرب أو المجلس المنافسة أو المجلس الاقتصادي والاجتماعي. وبخصوص دور المعارضة، لا بد من الإشارة إلى أن تراجع دورها، وراءه أسباب عديدة، عمقها تراجع دور الجامعة وانتشار التفاهة، وتحول المواطن إلى مجرد مستهلك، فأضحى المواطن لا يؤمن بالانخراط في مواجهة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتردية إلى جانب القوى المناضلة. كما أن العديد من النخب، التي كان مفروضا فيها المساهمة إلى جانب المعارضة، اختارت الصمت، والابتعاد عن الاهتمام بالشأن العام. كل هذا أضر بالمعارضة، التي كانت في وقت سابق، يقام لها ويقعد في البرلمان. أما اليوم، فقد أصبحت الحكومة تسائل نفسها خلال جلسات الأسئلة الشفوية، من خلال نواب الأحزاب المكونة للأغلبية، فيما يترك وقت أقل للمعارضة. ولم تعد هناك تلك المعارضة القوية، وأصبح البرلمان تحت رحمة الحكومة. ونسيت مكونات الأغلبية أن البرلماني أهم من الوزير، لأن له شرعية انتخابية. برلمان بلا مشرعين حين يصوت المغاربة على النواب، هل نصوت على مشرعين؟ > لا، فأغلب النواب الذين يصلون إلى البرلمان، هم من أجل التصويت، مصفقين ومصوتين، فقط، فحين يطرح مشروع قانون لا يحضرون للمناقشة، ولكن يوم التصويت، يحضرون بكثافة، لتمرير مشاريع الحكومة. وأخيرا ناقشنا داخل لجنة الداخلية مشروع قانون الشركات الجهوية متعددة الخدمات، والتي سيفوض لها بيع الماء والكهرباء، وحضر وزير الداخلية والولاة، وحضر 35 نائبا فقط. صحيح، كما قلت إن البرلمان يضم المصوتين وليس المشرعين، والحال أن الشرط الأول للترشح للبرلمان هو النزاهة وتقديم مرشحين يؤدون ضرائبهم، وغير متورطين في فضائح بالجماعات، ناهيك عن شرط أن يكونوا متعلمين، وليسوا أميين، وأمثال هؤلاء موجودون، لكنهم ابتعدوا عن السياسة، لما تحولت المؤسسات إلى واجهة لأمثال هؤلاء الفاسدين. وهذا في رأيي خطأ. وعلى المواطنين الشرفاء أن ينخرطوا في العمل دفاعا عن وطنهم، من أجل إنقاذ الوطن، وبناء أفق جديد للديمقراطية والتوزيع العادل للثروة ومحاربة الفساد، وإقرار حقوق المواطنة، وهي قضايا توجد في مشروعنا السياسي. غطرسة ليبرالية فاسدة يلاحظ غياب التنسيق بين أحزاب اليسار رغم اصطفافها في المعارضة بالبرلمان. كيف تشخصين هذا الواقع وما هي أسباب التشتت؟ > اليسار هو فكر كوني أولا، وضروري التأكيد أن هذا اليسار في نهاية تسعينات القرن الماضي، مع انهيار الاتحاد السوفياتي، تم تجييش قوى الإسلام السياسي ضده من قبل الغرب، تحت مبررات محاربة الإلحاد، وكان لها ما أرادت. منذ تلك الحقبة، 1991، كانت هناك هيمنة مطلقة للولايات المتحدة وحلفائها، وتدخلت في العديد من الدول وضغطت اقتصاديا، وأشعلت فتيل الحروب والنزاعات في جهات متعددة، ونهبت خيرات الشعوب. وتم إضعاف اليسار في هذه الفترة عبر العالم، بسبب أخطاء الأنظمة، لكن الفكرة الاشتراكية لم تخفت، وفشل نوع فقط من الاشتراكية. ونال اليسار المغربي نصيبه من الفشل. وتمت محاربة اليسار في الجامعات وبكل الوسائل، ووجد اليسار نفسه مبلقنا، في مواجهة غطرسة ليبرالية متوحشة وفاسدة، كما منعت الدولة تدريس الفلسفة وخربت الجامعة، عبر تشجيع التيارات الإسلامية المتطرفة. وحاول اليسار المغربي مع الراحل عبد الرحمن اليوسفي، من خلال حكومة التناوب التوافقي، تحقيق انتقال ديمقراطي، لكن ما جرى هو تحقيق انتقال ملكي، وليس انتقالا ديمقراطيا، وأن ما عرفته البلاد من انفتاح وحرية الصحافة وهيأة الإنصاف والمصالحة، وقانون الأسرة، كان من أجل تجميل صورة المغرب، وكنا نأمل أن تستمر تلك الأوراش والإصلاحات، لكن لم تكن في أفق الانتقال إلى الديمقراطية، بل فتح البلاد على مصراعيها للاتفاقيات التبادل الحر، من أجل جلب الاستثمارات الخارجية، وتعميق المديونية. الدولة الاجتماعية شعارنا ما هو تقييمكم لحكومة عزيز أخنوش التي فتحت أوراشا كبرى مثل الحماية الاجتماعية؟ > تقييم حكومة أخنوش ضروري، ويجب أن يكون موضوعيا. الملاحظ أولا أن الحكومات لا تحكم، فقبل الانتخابات تم تشكيل لجنة النموذج التنموي، وأقرت بفشل النموذج القائم، وبالتالي فأي حكومة ستعمل بالنموذج الجديد، وهنا يطرح السؤال، لماذا ننتخب برلمانا إذا كانت الحكومة التي ستنبثق عنه لن تحكم ببرنامجها، بل ببرنامج لجنة النموذج التنموي. ثانيا، حكومة أخنوش حين جاءت رفعت شعار الدولة الاجتماعية، وهو شعار لليسار، وتحقيقها يحتاج إلى مقومات الديمقراطية وبناء دولة الحق والقانون، والقطع مع الريع والاحتكار، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وهذه مقومات لم يتحدث عنها النموذج ولا برنامج الحكومة. إن مشروع الحماية الاجتماعية ورش كبير، لا يمكن أن تنفذه إلا حكومة ديمقراطية قوية، والإرادة المتوفرة اليوم هي تسليع الخدمات الاجتماعية، ورهن الأجيال المقبلة بالديون المتفاقمة. فرض منطق الغلبة لماذا هذا الفرق المسجل في حصيلة الحزب بين قوة الخطاب وضعف التنظيم؟ > كما هو معلوم لدى الجميع أن اليسار هو خطاب موجه بالأساس إلى طبقات ذات مستوى معين من الثقاقة، لكنه في الوقت نفسه خطاب يلائم فئة سكان المناطق المهمشة، لكن من همش هذه المناطق؟ من حاول إخراج الفلاح من نطاق السجال الحزبي؟ من جعل الأمية تتجاوز 47 في المائة بين النساء القرويات و27 بالنسبة إلى الرجال؟ إضافة إلى اتساع دائرة الهدر المدرسي في صفوف الأطفال من الجنسين والذي يكاد يصل إلى 100 في المائة من الفتيات القرويات اللواتي يغادر أغلبهن الدراسة في المرحلة الإعدادية، ما جعل الاهتمام بالسياسة بالنسبة إلى هذه المناطق يدخل في دائرة الترف، لكن اليوم هناك توجه نحو التغيير ومقاومة ذلك التوجه الرسمي الذي يفرض منطق الغلبة في الانتخابات، فما معنى أن نقيم انتخابات جماعية وتشريعية وجهوية في اليوم نفسه وبورقة الاقتراع نفسها؟ اللهم إذا كنا نريد أن نسلم كل شيء للتشكيلة السياسية نفسها ونمنحها شيكا على بياض لتفعل ما تريد، لذلك يمكن أن أقول بأن وجودنا في المجالس المحلية أضعفه استعمال المال في الانتخابات وغياب الحد الأدنى للحياد الإيجابي للدولة، وفتح الباب أمام ترشح الجميع بدون أي شرط، سواء في ما يتعلق بالمستوى الدراسي أو النضال السياسي، وللأسف أجابتنا الداخلية عندما اشترطنا وضع محددات أولية، من قبيل النزاهة وانعدام السوابق سواء في ما يتعلق بالفساد السياسي أو بالغش الانتخابي، بذريعة أن الديمقراطية تقتضي فتح باب الترشح للجميع دون حسيب ولا رقيب، والدليل على نجاعة هذه الشروط أن مرشحين يبادرون لاتخاذ قرارات والدفاع عن مشاريع همهم الأول الصالح العام، كما حدث أخيرا في مقاطعة عين الشق عندما تزعم مستشارون من الاشتراكي الموحد حملة كان هدفها التصدي لمافيا العقار والحيلولة دون السطو على أرض الخيرية الإسلامية والدفاع عن مقترح تخصيص عقارها لمشاريع اجتماعية على رأسها إقامة مستشفى إقليمي، الذي تفتقر له هذه المقاطعة التي يزيد سكانها عن 400 ألف نسمة، وكذلك كان الحال في مكناس أو في دائرة مقاطعة الحي الحسني، تجد أن الرفاق وأينما وجدوا ورغم قلة عددهم يرجحون كفة الصالح العام ضد مخططات سماسرة الشأن العام، ولا تقتصر مرافعات منتخبين عن الجوانب الاجتماعية والمشاريع المتعلقة بالمعاش اليومي، بل يتجاوزون ذلك إلى ما يتعلق بالجوانب الثقافية والمشاريع ذات الارتباط بالهوية المغربية. الوفاء لخط المؤسسين لقد استنفدت منيب ولايتين على رأس الحزب، هل ستكون هناك محاولات، على غرار الأحزاب الأخرى للتمديد خارج قوانين الحزب؟ > يجب أن نعلم أن الاشتراكي الموحد هو حزب المناضلين والمناضلات وحامل لمشروع ومازال يحتفظ بمبادئ رموزه، من قبيل بنسعيد أيت ايدر، وبعده زعماء بذلوا مجهودا متواصلا من أجل الوفاء لخط المؤسسين لكنهم للأسف واجهوا مقاومة يمكن أن نصفها بأنها ردة سياسية، خاصة منذ بداية الألفية الثالثة، حاولت القيادات المتوالية للحزب أن تتفاعل مع الوضع وفي هذا الإطار انتخبت على رأس الاشتراكي الموحد في فترة تزامنت مع الربيع العربي و انبثاق حركة 20 فبراير، وتمكنا من الحفاظ على نقاء فكرة الحزب، لذلك لا يمكن أن أتناقض مع عقيدة الحزب وأحاول البقاء في الأمانة العامة ضد القوانين الداخلية، فنحن لسنا عبيد الكراسي. ويمكن للحزب أن يستفيد من منيب ولو لم تعد أمينة عامة، لذلك وكما أقول دائما هناك كفاءات كثيرة في الحزب من الجيل القديم والجديد، والباب مفتوح أمام الجميع لتولي هذا المنصب والكل واع بالظرفية الحالية وطنيا وعلى مستوى العالم المقبل على مرحلة تقاطبات جديدة، تفرض علينا مجتمعا ودولة أن نجد لنا فيها موضع قدم ولا نبقى مجرد تابعين متخلفين عن الركب. المطلوب اليوم ليس قادة جددا، بل أسلوب جديد في القيادة ونهج آخر في السياسة يقطع مع مسار الخضوع للمؤسسات المالية الدولية ويعيد النظر في المواقف الداخلية في اتجاه المصالحة بين الدولة والمجتمع، وفتح باب الأمل أمام الحالمين بمغرب يتسع لكل بناته وأبنائه، وأعتقد أن من مصلحة الجميع مواصلة البناء الديمقراطي، باعتباره خيارا لا رجعة فيه. تدويل سنوات الرصاص نعلم جميعا أن العالم بأسره يرزح اليوم تحت وطأة إمبراطورية الخوف والتخويف، من خلال تحكم شبه مطلق في أدوات السيطرة من أجل إخضاع الشعوب والتسابق في مواقع النفوذ والتحكم في الرأي العام وتوجيهه، فما كنا نعيشه قبل عقود على المستوى الوطني نعيشه اليوم على الصعيد العالمي، إذ يمكن القول بأننا نحيى اليوم مرحلة تدويل سنوات الرصاص.