متقاض لزوجته : "فالدار كتلبسي الحرير وفالمحكمة جاية بحوايج مقطعين باش تربحي الحكم" رغم الطابع الجدي الذي يغلب على جلسات المحاكم ومشاهد الحزن والارتباك التي تطبع ردهات فضاء العدالة، فإن حديث المحاكم لا يخلو من مشاحنات بطعم الطرائف. بالمحكمة الابتدائية الاجتماعية بالبيضاء أو ما يُطلق عليها لدى عامة الناس "محكمة الأسرة"، تطفو على السطح كواليس الحياة الزوجية، بعد أن يمثل الشريكان أمام القاضي ليدلي كل منهما بدلوه حول النازلة التي جاءا من أجل البت فيها بهدف إحقاق الحق وإنصاف المظلوم وإدانة المعتدي، وهي الملفات التي غالبا ما يهدف أصحابها إلى الحصول على النفقة أو الطلاق أو ربح حضانة الأطفال، إذا لم تعد هناك إمكانية للتوافق للم الشمل من جديد. «ماتبقاش شاد فقلبك خوي عليك كلشي باش ترتاح"، من بين النصائح التي يحرص مجمل المغاربة على تطبيقها في حياتهم اليومية، عند اللقاء بأحد أفراد العائلة أو الأصدقاء المقربين أو حتى غريب تجمعهم به الصدفة في مكان ما، حيث تبدأ الصدور في الكشف عن السرائر وتشرع الألسن في سرد قصص مأساوية يتعاطف معها المتحدث إليه إما بذرف الدموع أو بعناق الباكي أو الباكية، والتخفيف عن المشتكي بجملة من عبارات المواساة من بينها "ماتبكيش تاواحد ما هاني فهاد الدنيا". واستحضارا لمضامين هذا النوع من طقوس التنفيس عن الذات بممارسات "شكي عليا ونشكي عليك"، تشهد جنبات المحكمة مشاهد ملاسنات بين المتقاضين الذين يكملون تحاججهم بعد الانتهاء من المثول أمام القاضي، إذ يحاول كل طرف تغليب رأيه أو إظهار جوانب مخفية بهدف فضح المستور بينهما أو للدفاع عن نفسه من تظلمات لا تخلو من ادعاءات باطلة. "باغية فلوس النفقة بالتمثيل" من بين المشاهد المثيرة التي شدت انتباه عدد من المرتفقين بجنبات المحكمة الابتدائية الاجتماعية، امرأة تهم بمغادرة فضاء العدالة في اتجاه محطة حافلات النقل الحضري، وهي تتلاسن مع رجل، اتضح من مضامين خصامهما أنه زوجها ووالد أبنائها. ولأن تحاججهما كان على أشده، تبين أن الأمر يتعلق بمتقاض شرع في كيل الاتهامات لزوجته بمحاولة توريطه بادعاء إهمالها وعدم النفقة عليها ومنحها حقوقها في ما يخص المأكل والملبس، رغم أنها على عهدته ويعيشان تحت سقف واحد. وفي محاولة لفضح مناورات زوجته أمام المحكمة، خاطب الزوج أم أبنائه وهو يحتج عليها بالقول "ماحشمتيش باغية فلوس النفقة بالتمثيل؟ فالدار كتلبسي الحرير وفالمحكمة جايا بحوايج مقطعين، باش تلعبي دور الضحية قدام القاضي، والله حتى حرام عليك..."، قبل أن ترد عليه بعبارة "فين مهلي فيا فين؟ باراكا من لكذوب". وأعاد الزوج طرح أسئلة استنكارية على زوجته في محاولة لإحراجها أمام المرتفقين الذين كانوا ينتظرون في الجهة المقابلة "على أنا ماشي معقول؟ نهار اللول عرفتيني فاش خدام، ولا دابا ولات عينيك فحاجة أخرى". وهو يحتج على تصرفها أمام المحكمة، قاطعته زوجته التي أصبحت مطالبة بالطلاق، بالقول «واييه نتا كاع نوامر العيالات خديتيهم، صافي الله اجعل البركة حسن لينا نتفارقو». ورد عليها الزوج بصوت مبحوح "لماذا هذا الابتزاز من أجل سوء تفاهم عاد بين الأزواج؟ ألم يعد هناك حل لبدء صفحة جيدة من أجلنا ومن أجل أطفالنا الذين لا ذنب لهم، ضحيت بعمري من أجلكم، لكن اتضح أنك من النوع الناكر للجميل، للأسف اخترت الإنسانة الخطأ لمشاركتي حياتي". وفي الوقت الذي كان الرجل ينتظر أن يرق قلب زوجته لتفسيراته لها، في محاولة لعقد الصلح والمثول أمام القاضي من أجل إعلامه بتصالحهما، صدم من رد الزوجة التي بادرت إلى الابتعاد عنه والانتقال إلى الجهة الأخرى في انتظار حافلة النقل الحضري لتقلها إلى بيتها، معلنة تشبثتها بالطلاق بالقول "صافي مابقات بيناتنا عشرة النفقة تابعاك تابعاك غير طلقني". ولأنه لم يستسغ استعلاءها وإصرارها على الطلاق والمطالبة بالنفقة، بحجة إهمالها وعدم التكفل بمصاريف البيت ومنحها متطلباتها كباقي الزوجات، أشعل الرجل سيجارة وشرع يدخن قبل أن يصرخ وهو يلتفت إلى غريمته " واخا ندوز الحبس، وديك الفلوس اللي كتحلمي بيها والله لا خدتيها حيت نصابة". محاربة المتطفلين والسماسرة في إطار محاربة سماسرة المحاكم والفضوليين وتحقيق الأمن القضائي وتخليق الحياة العامة في المرفق القضائي، اهتدى المسؤولون عن المحكمة الاجتماعية الابتدائية بالبيضاء، إلى تخصيص مكاتب للاستقبال والإرشاد، لتوجيه المرتفقين وتبسيط المساطر من أجل تذليل الصعوبات الإدارية وتبديد سوء الفهم رغبة في تجويد الخدمات، حتى لا يتم استغلال الوضع من قبل هواة الاصطياد في الماء العكر. وليس هذا فحسب، إذ قبل الولوج إلى داخل المحكمة، لا بد من اجتياز الحواجز الأمنية التي تعتبر بمثابة "سكانير» أو عين لاقطة» يتم فيها استفسار المرتفقين الراغبين في الدخول إلى فضاء العدالة عن أسباب قدومهم وإن كانوا يتوفرون على ما يثبت استدعاءهم أو رغبتهم في قضاء غرض ما، وهي الأسئلة المحرجة التي تحاصر كل فضولي أو بعض السمسارة الذين يحاولون التسلل من أجل التربص بالمتقاضين واستغلال حالتهم النفسية للنصب عليهم بداعي التدخل لهم لربح قضية ما، قبل الاختفاء بعد السطو على أموالهم، وهي الخطوة التي استحسنها الزوار لأنها تخدم الصالح العام. محمد بها