تجرى بمصحات وعيادات لقاصرات بأثمان متفاوتة لم تعد ظاهرة الإجهاض بالجهة الشمالية تتسم بطابعها السري وصورتها النمطية المقتصرة فقط على النساء، اللواتي يرغبن في التخلص من حمل غير مرغوب فيه، أو فتيات تعرضن للاغتصاب في ظروف معينة، بل أصبحت هذه الظاهرة الخطيرة تهم قاصرات في عمر الزهور، بعضهن مازلن يتابعن دراستهن بالمؤسسات العمومية والمعاهد الخاصة، اللائي يقعن في المحظور ويلجأن إلى بعض المصحات وبيوت القابلات أو باستعمال عقاقير خطيرة للتخلص من حملهن غير الشرعي، وهو ما عرض بعضهن، في كثير من الأحيان، إلى مخاطر ومضاعفات تؤدي إلى الموت، نتيجة إجهاضهن في ظروف غير ملائمة وآمنة. وشهدت طنجة، عدة حوادث خطيرة تعرضت لها فتيات أثناء خضوعهن لعمليات إجهاض سرية، من بينها وفاة قاصر تتحدر من تطوان، التي لجأت، دون علم أسرتها، لمصحة خاصة معروفة بعاصمة البوغاز للتخلص من حمل ناتج عن علاقة غير شرعية، وأجرى لها مدير المصحة، وهو طبيب اختصاصي في أمراض النساء والتوليد، عملية إجهاض سرية مقابل 5 آلاف درهم، إلا أن القاصر تعرضت، بعد مغادرتها للمصحة، لنزيف حاد ساهم في حدوث مضاعفات خطيرة، أدت إلى وفاتها. وبناء على شكاية تقدم بها والد الهالكة إلى وكيل الملك لدى ابتدائية تطوان، اعتقل الطبيب المذكور، واعترف أثناء التحقيق معه أنه أجرى عملية إجهاض للضحية لإنقاذ حياتها، نظرا لأنها كانت تعاني نزيفا حادا وأكدت له أن زوجها يقضي عقوبة حبسية بالسجن المحلي، وهي اعترافات تشبث بها الطبيب في جميع مراحل التحقيق معه، لتصدر غرفة الجنايات الأولى في حقه حكما بالسجن 10 أشهر مع وقف التنفيذ، وبأداء غرامية مالية قدرها 40 ألف درهم. حقائق خطيرة من جهة أخرى، ذكرت ممرضة تشتغل بأحد المستشفيات العمومية بعاصمة البوغاز، أنها لم تكن يخطر ببالها أنها ستصبح في يوم من الأيام تساعد الفتيات على إجراء عمليات للإجهاض، لأنها كانت تعتبره فعلا محرما بموجب الدين الإسلامي، إلا أنها انخرطت في هذه المنظومة غير القانونية لعدة أسباب، من بينها الراتب الهزيل الذي تتقاضاه ويضطرها للبحث عن موارد إضافية لمواجهة ارتفاع الأسعار وتوفير حاجيات الأسرة. ومن خلال تجربتها قالت الممرضة لـ "الصباح"، إن الإجهاض أصبح عملا مربحا لعدد من الأطباء المتخصصين في التوليد وأمراض النساء وحتى أصحاب الطب العام، الذين يقومون بهذا النوع من العمليات داخل عياداتهم أو ببعض المصحات المعروفة بالمدينة، وتساعدهم في ذلك شبكة من الوسطاء تتزعمهم ممرضات في عيادات ومستشفيات عمومية، اللواتي ما إن يعثرن على حالة حتى يقمن بمدها بالعنوان المناسب، مظهرات كل العطف والتفهم، رغم أن الهدف تجاري ربحي محض. حقوقيون يدقون ناقوس الخطر أحاط حقوقيون وجمعويون مهتمون بشؤون المرأة بطنجة، بظاهرة تفاقم عمليات إنهاء الحمل عن طريق الإجهاض السري، وطالبوا بإلغاء المقتضيات المتعلقة بالإجهاض في القانون الجنائي الحالي، ووضع خطة للوقاية من الحمل غير المرغوب فيه وتمكين الفتيات والنساء من التثقيف والتربية الجنسية والحصول على الوسائل الكفيلة، التي تمكن المرأة من الولوج إلى ممارسة حقوقها وتوفير خدمات الولادة من دون مخاطر. وقالت جميلة الموالدي، محامية وعضو اللجنة التنفيذية في الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، إن "مسألة الإجهاض كانت محل خلاف بين أهل العلم قديما وحديثا، إلا أن الجميع أصبح اليوم متفقا على جواز إجهاض الجنين في حال ما إذا كان الحمل ناتجا عن الاغتصاب وزنا المحارم، أو يشكل خطرا على حياة الأم، أو لاحظ الأطباء وجود تشوهات خلقية خطيرة وأمراض صعبة تهدد الجنين، بالإضافة للنساء المشردات اللواتي لا يملكن سقفا يؤويهن، شريطة أن تجرى عمليات الإجهاض على يد طبيب مؤهل، وأن تتم بطرق قانونية داخل المستشفيات العمومية ومصحات القطاع الخاص، مع ضمان متطلبات الرعاية والسلامة الصحية، إذ بدون ذلك يبقى الإجهاض جريمة تتوجب معاقبة مقترفيها بعقوبات ثقيلة. المختار الرمشي (طنجة)