متضررون مستاؤون من تأخر الإنقاذ وفاعلون جمعويون يحملون المسؤولية للسلطة والمنتخبين تسببت الأمطار، التي تهاطلت، نهاية الأسبوع الماضي، على طنجة بكميات كبيرة بلغت معدلاتها حوالي 30 ملمترا في أقل من ثلاث ساعات، في فيضانات خطيرة اجتاحت أحياء عديدة بالمدينة وخلفت خسائر مادية جسيمة لدى سكان الأحياء المجاورة للوديان، الذين تركوا أمتعتهم عرضة للضياع ولجؤوا إلى الأسطح والطوابق العليا، خوفا من السيول الجارفة التي بلغ علوها في بعض المناطق والأحياء أكثر من مترين. غرقت العديد من البنايات والسيارات وتصدع الكثير من الطرقات نتيجة عدم قدرة قنوات صرف المياه على استيعاب كميات الأمطار المتساقطة، ما أدى إلى تعطيل حركة السير والجولان بعدد من الشوارع الرئيسة والثانوية والممرات تحت أرضية، التي تحولت إلى شلالات وبرك مائية حاصرت مئات السيارات المتجهة إلى داخل المدينة. ضياع بضائع وتجهيزات لم ينج أصحاب المحلات التجارية والمقاهي الكائنة بالأحياء المتضررة، من تكبد خسائر كبيرة، جراء اجتياح المياه لمحلاتهم وضياع بضاعتهم وتجهيزاتهم، فيما غمرت المياه سطوح جل المنازل القديمة وتسببت في شقوق وتصدعات جعلتها عرضة لأخطار محتملة، ما أدى إلى انتشار الهلع والرعب في نفوس ساكنيها، الذين سارعوا إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات الوقائية خوفا من تكرار أحداث السنوات الماضية، التي خلفت عددا من القتلى والمفقودين. وعاينت "الصباح" محنة المواطنين المتضررين من تلك الفيضانات، خاصة بحي بوحوث، الذي غمرته مياه أحد الوديان العشوائية المجاورة للسكان، الذين تكبدوا خسائر وأضرارا ضخمة مقارنة مع إمكانياتهم المادية، بعدما أن فقدوا أمتعتهم وتجهيزاتهم المنزلية, جراء انفجار قنوات المياه والتطهير السائل، وحاولوا بمجهوداتهم الذاتية التخلص من الأوحال التي اجتاحت مساكنهم. ويحكي أحمد، رب أسرة تتكون من زوجة وأربعة أبناء، أن الفضل في إنقاذ أحد أبنائه من الغرق يعود لمجموعة من شباب الحي الذين بادروا إلى تقديم المساعدة لأسرته ولعدد آخر من المتضررين الذين فقدوا جميع أمتعتهم من ملابس وأفرشة بسبب الفيضانات التي غمرت جميع الطوابق السفلية لمنازلهم بفعل ارتفاع منسوب المياه بمجرى الوادي المجاور للحي، فيما لم يكن الوضع أحسن حالا بالنسبة إلى جاره عبد السلام، الذي اضطر للاستسلام واكتفى بمشاهدة ممتلكاته تجرفها سيول الأمطار, دون أن يجد من يساعده، شأنه شأن جل سكان الحي. ضعف البنيات التحتية فتحت الفيضانات الأخيرة الباب أمام عدد من المهتمين بالشأن المحلي بالمدينة، الذين طرحوا العديد من الأسئلة، أبرزها تتمحور حول مدى جاهزية البنية التحتية وشبكات الطرق لمواجهة مثل هذه التساقطات الغزيرة، التي رغم أنها تمثل دائما بشائر الخير والبركة والرزق للعباد والدواب، إلا أنها تجلب في الكثير من الأحيان المآسي والخسائر البشرية والمادية الكبيرة. وأوضح فاعل جمعوي أن فيضانات هذه السنة كشفت عن خفايا وثغرات في غاية الخطورة، كانت مدفونة تحت الأرض وشكلت صدمة للكثيرين من المواطنين، بعد أن فضحت الأمطار الأخيرة مستوى تدني تنفيذ البنيات التحتية لأهم مشاريع "طنجة الكبرى"، التي أنفقت الدولة من أجلها ملايير الدراهم تحت إشراف السلطة الوصية والجماعة الحضرية، ولم تستطع مواجهة تبدلات الأحوال الجوية وظروف المناخ المعتادة بالمناطق الشمالية، بسبب القصور في التخطيط وغياب إستراتيجية بعيدة النظر والمدى لدى المسؤولين المحليين. وقال المصدر ذاته أهم الأخطاء التي ساهمت في ضعف البنية التحتية بالمدينة، تتجلى في الاعتماد على افتراضات خاطئة وغير دقيقة، أثبت الزمن أنها لم تراع الكثير من الأمور مثل الترخيص بالبناء في المنخفضات القريبة من الوديان، وتسليم مشاريع البنيات التحتية لشركات غير مؤهلة لا هم لها في الواقع سوى تحقيق الربح السريع بدون حس وطني عال". من جهة أخرى، نفى مسؤول محلي وجود قصور وتراجع في جودة إعداد البنيات التحية بالمدينة، مؤكدا أن هذا الادعاء غير دقيق علميا، لأن حجم الأمطار التي تهاطلت على المدينة في وقت وجيز قياسيا ومن الممكن أن يحدث خسائر في دول متقدمة، إلا أنه لم ينف وجود حالات محدودة تشوبها عيوب وإهمال في الإنجاز. وقال المسؤول، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، إن " الحديث في الموضوع لا علاقة له بالجودة والتنفيذ، لأنه في العادة يجري تصميم البنية التحتية وفقا للظروف المألوفة، دون النظر إلى احتمالات يمكن أن تأتي مرة كل خمسين سنة، وهو ما يحدث في كل دول العالم وأوروبا، التي تتكبد بين فترة وأخرى خسائر في ظل الظروف غير الاعتيادية، إلا أنه بالتأكيد سيكون الضرر أكبر إذا كانت البنية التحتية غير متكاملة". وسارعت السلطات المحلية، بعد توصلها بإخبارية من الأرصاد الجوية، التي أفادت باحتمال سقوط أمطار غزيرة وهبوب رياح قوية على منطقة البوغاز، باتخاذ مجموعة من التدابير الوقائية الضرورية، إذ قامت بتنسيق مع كل المصالح المعنية الأخرى، المشكلة من طواقم الوقاية المدنية والقوات المساعدة والأمن الوطني وعمال شركة التدبير المفوض للماء والكهرباء "أمانديس"، بتعبئة كل إمكانياتها المتوفرة لتقديم المساعدات اللازمة للسكان، والتدخل في وقت الحاجة لحماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم، وذلك في إطار خطة طوارئ أشرف عليها والي الجهة. المختار الرمشي (طنجة)