< د. خالد الحري صدمتنا كبيرة في تونس الخضراء. وجرحنا أكبر في بلد الشهيد المناضل فرحات حشاد، الذي اختلطت دماؤه بدماء المغاربة، وهم يقاومون جبروت الاحتلال الفرنسي حتى اغتياله في 4 شتنبر 1952. وعقلنا لا يتحمل حجم الخيانة الآتية من مهد الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف وموطن شهداء أحداث 9 أبريل 1938، وباقي محطات الكفاح التونسي ضد العبودية والدكتاتورية والرأي الواحد والحزب الواحد، التي استمرت إلى 2011، فكانت ثورة الياسمين نبراسا ونموذجا لتصحيح مسارات الديمقراطية. توقعنا كل شيء من حكام تونس "الجدد"، إلا الغدر الجبان بخناجر مسمومة، مثل قراصنة يتسللون في جنح الليل، من أجل الغيلة والفتك وإسالة الدماء والسرقة. فما يقوم به النظام التونسي، بشكله الأسوأ الحالي على مر التاريخ، هو سرقة في واضحة النهار لحلم التونسيين في ديمقراطية حقيقية استرخصوا من أجلها الأرواح والدماء، وفي إرساء نظام دستوري مستقل مبني على توازي السلط، والأهم من ذلك سرقة أحلام الشعوب المغاربية في بناء اتحاد إقليمي متكامل اقتصاديا واجتماعيا، يجيب عن معضلات التنمية والاستثمار والبطالة والاندماج في الحال والمستقبل من موقع قوة، لا تبعية وتسول. فباستقباله المذل، وتحت جميع الأسماء والتبريرات والخزعبلات، لزعيم عصابة انفصالية، يكون الرئيس التونسي خرج من الصف العربي والإسلامي، ووضع نفسه موضع شبهة لخدمة أجندات خارجية تسعى إلى غزو المنطقة، وفي طليعتها إيران. إن الموضوع أكبر من احتفاء "رسمي" بإرهابي ومغتصب ومجرم حرب على أرض الشرفاء والمجاهدين، وهي حركة بليدة لن تهز حبة رمل واحدة في الصحراء المغربية، بل يتعلق، في عمقه، بسؤال السيادة والاستقلالية والقرار الوطني المستقل، وهي مقومات كل دولة على وجه الأرض، وإذا فرطت فيها، تحت أي مبرر، فرطت في كل شيء، وتحولت إلى مستعمرة تابعة إلى كيانات أخرى. لقد سقط القناع، إذن، عن وجوه حكام تونس الجدد، وكشفوا عن أنفسهم، باعتبارهم تجار سياسة وقراصنة دولة، اختبؤوا وراء الانتخابات والثورة والديمقراطية، حتى تمكنوا من تونس، وباعوها بالتقسيط المريح إلى من يدفع أكثر، بعد أن نجحوا، داخليا، في تفتيت المؤسسات والبرلمان والدستور والقضاء. مخطط جهنمي بدأه حكام قصر قرطاج منذ أشهر، ليصل إلى حلقته الأهم، وهي تحويل تونس إلى ملحقة جزائرية وإيرانية في شمال إفريقيا، ومنصة لإطلاق برامج التفتيت وزعزعة استقرار المنطقة وزرع بوادر الفتنة وبث أنوية للإرهاب والتطرف وسط بلدانها. لقد سقط القناع إذن عنكم أيها "الحكام" الموجودون في تونس. سقط القناع حتى ظهرت سوءاتكم إلى العالم. تسلقتم أحقر الطرق والسبل، حتى ظهرت عوراتكم من تحت، وفي محاولة لإخفائها (ببيانات بلهاء)، اتضحت أكثر، حتى أصبحتم أضحوكة أمام شعبكم وقواه الحية، من أحزاب ونخب ومجتمع مدني ونقابات وإعلام حر. إن فعلتكم النكراء لن تسيء إلى المغرب (رغم بعض الأعطاب الموجودة في وزارة خارجيتنا وسنعود إليها لاحقا)، بل تسيء إليكم في المقام الأول، لأنكم بعتم القضية والموقف والحياد، بحفنة دولارات، سلمت إليكم من جوع وبطالة ودموع شعب آخر، هو الشعب الجزائري. إنه ذل ما بعده ذل، سيخرجكم صاغرين من الباب الضيق للتاريخ. وسنظل نحن الكبار مهما فعلتم، وستفعلون. ولا يهم بعد الآن، ما تفعلون، بعد أن سقط القناع.