< د. خالد الحري هكذا كان أجدادنا، من المقاومين والشهداء، يطلقون على المستعمرين الفرنسيين، وهو لقب بحمولة اجتماعية وسياسية ونفسية ذات دلالة، ويحيل على أسماء عدد من الطغاة والجبابرة، وإمبراطوريات الدم التي حكمت العالم بقوة النار والحديد. بهذه الصورة، تعيش فرنسا في مخيلة المغاربة، وعلى هذا النحو، تتشكل في لاوعي الأجيال المتعاقبة، بوصفها كيانا استعماريا دمويا، بنى "مجده" و"تاريخه" على النهب والاغتصاب والسرقة والاستغلال والبطش بمستعمرات إفريقيا، وغيرها من الدول. ولن تنفع بعض "روتوشات" الحضارة و"صناعة النسيان" في محو ماض أليم سيطارد هذه الدولة، حتى يرث الله الأرض ومن عليها. وتحاول فرنسا لعب الدور القذر نفسه في إدامة هيمنتها على مستعمراتها السابقة، وإن كان بشكل "ناعم"، لكن لا يخلو من عنجهية وتكبر، وهو أمر "عادي"، (من وجهة نظر نفسية)، لأن الراقصة قد تعتزل، لكن لن تنسى هزة الأرداف. وهز الأرداف، هو بالضبط ما يفعله هذا "الشريك التقليدي"، منذ أيام، في التعاطي مع قضايا حيوية ومصيرية للمغرب والمغاربة، لا تقبل أي نوع من أنواع الرقص على الحبال، أو أي شكل من الابتزاز الرخيص الذي يضع قضية الصحراء المغربية في كفة، ومطالب "فرانسيس" في كفة ثانية. وبهذه العقيدة الاستعمارية، لم تفهم فرنسا، بعد، أن قضية المغاربة الأولى دخلت منذ سنوات منعطفات حاسمة على الأوراق وفي الواقع وفوق الأرض، لم يعد ممكنا جعلها موضوعا للاستغلال السياسي وتحقيق مكاسب في الاقتصاد والاستثمار. حقيقةٌ جديدة تغيب، اليوم، عن حكام قصر "الإليزي" ، أو لا يرغبون في تصديقها، ويجتهدون بكل الأساليب، حتى القذرة منها، لمنع المغرب من بسط سيادته على كامل ترابه، وعرقلة المجهودات الدولية الحثيثة التي أقرت بصدقية وواقعية مقترح الحكم الذاتي لحل هذا النزاع المفتعل منذ سبعينات القرن الماضي، وكان لباريس دور إستراتيجي فيه. وترتكب فرنسا خطأ فادحا، حين تقارن المغرب ببعض الدول المجاورة، أو تضعه في الكفة نفسها مع كيانات قزمية أخرى، لأن الخاسر في هذه المعادلة هي فرنسا نفسها ومصالحها الحيوية وموقعها في أوربا والعالم، خصوصا في سياق جيوسياسي لا يحتمل أفعال "مراهقة" من هذا النوع. لقد قال جلالة الملك كلمته بوضوح في خطاب ذكرى ثورة الملك والشعب، ونسمح لأنفسنا بأن نقول كذلك، إن المغرب ليس في حاجة إلى أي دولة، تنظر إليه من فوق، أو تتعامل معه بنظرة مستعمر سابق لمستعمرة سابقة. إن الاحترام والتقدير والندية والحوار المتوازن المشترك ومنطق "رابح رابح"، هي المفاتيح الأساسية لعلاقة طبيعية بين دولتين لهما سيادة واستقلال. أما العكس، فلن ترى فرنسا من المغرب سوى الصد والمقاطعة والقطع، مهما جربت من أساليب الابتزاز وتشجيع معارضة السفاهة واحتضان "رموزها"، ومهما صرفت من أموال على التدخل في الشؤون الشخصية لرموز البلاد. لقد وضع "الشاب" ماكرون فرنسا في ورطة، وعليه أن يخرجها منها، وهذا شأنه. أما دولة عمرها 12 قرنا ويزيد، فلن تهزها رياح عاتية، مهما عصفت، والأحرى "خزعبلات" صغار.