< د. خالد الحري للمصريين مثل شعبي رائع يُستعمل في الحالات التي يرسم فيها شخص ما صورة جميلة عن نفسه في الظاهر، لكن في "الباطن"، هو غير ذلك تماما، بل قد يكون الأسوأ على الإطلاق. "من برا الله الله، ومن جوا يعلم الله"، هو عنوان جيد لتوصيف حالة وزيرنا في الخارجية والتعاون، الذي لا يهتم إلا بما تقوله له مرآته، وهو يقف أمامها، يوميا، قبل خروجه إلى العمل، حتى لو كانت هذه المرآة "مغبرة"، ومكسرة، أو بها شقوق تشوش على الصورة الحقيقية. ففي الظاهر، يبدو الرجل متماسكا وماسكا بزمام الأمور ومتمكنا من مهنته، باعتباره مسؤولا أول عن أكبر جهاز سيادة خارج المغرب، لكن الواقع عكس ذلك، ويفضحه أسلوب "الخفة" التي يتعاطى بها ناصر بوريطة مع أحداث بالغة الحساسية، كما وقع أخيرا ببوغوتا، عاصمة كولومبيا. ففي عدد من المحطات، وهذه واحدة منها، يعطي هذا "الشاب" القادم من تاونات الانطباع على أن "بذلة" المنصب أكبر منه، ولا يتصيد سوى العمل في الظروف المريحة والعادية والسهلة التي تتكاثف مجهودات جميع المؤسسات والأجهزة وأصدقاء الخارج في إخراجها بتلك الصورة التي نراه عليها في قنوات الإعلام العمومي، وهو يحمل مقصه، مبتسما، ويقص أشرطة افتتاح قنصليات بالعيون والداخلة. صحيح أن المغرب قام، في السنوات الأخيرة، بعمل جبار في قضية المغاربة الأولى، لكن سيكون من قبيل الافتراء على التاريخ، أن ننسب كل هذه الاستحقاقات إلى وزير واحد، فشل في معالجة مشكل طارئ في دولة بأمريكا اللاتينية. فما فعله بوريطة بقضية موظفي سفارة المغرب في كولومبيا، يندرج في إطار الهواية، ولا يليق بوزير خارجية كان من المفروض أن يأخذ وقته، لتحليل الموضوع من جميع جوانبه، قبل اتخاذ أي قرار. لقد أخطأ الوزير لأكثر من سبب: أولا، بالتسرع بإصدار حكم إدانة مسبق على الموظفين من خلال قرار عودتهم الفورية إلى المغرب وعرضهم على مجلس تأديبي، دون أن يعرف أي أحد حيثيات الملف وتفاصيله وخلفياته، أو سير التحقيقات فيه، والجهات المكلفة بذلك. ثانيا، بمحاولة تضليل الرأي العام الوطني والدولي، وإعطاء الانطباع أن أفعال الموظفين هي مجرد نزوات جنسية، لا علاقة لها بسياق اشتغال السفارة وطبيعة العمل الدبلوماسي بهذه الدولة. ثالثا، وضع المغاربة في حالة غموض بخصوص ما يجري من حروب استخباراتية وصراعات بين المغرب والجزائر ونشطاء جبهة "بوليساريو" في هذا البلد، وكيف تستعمل فيها جميع الأسلحة لاستدراج دبلوماسيين وتحصيل معلومات منهم. رابعا، وهذا هو الأهم، الثقة العمياء في النفس، التي تصل حد الغرور أحيانا، حين يعتقد بوريطة أنه متحكم في زمام الأمور في الدول والسفارات التي تعرف حركة نشاط كبيرة للانفصاليين، قبل أن يفاجأ بمثل هذه "المقالب"، التي تسيء له أولا، وتسيء إلى البلد برمته، بغض النظر عن الحيثيات. إن اللامبالاة وترك الحبل على الغارب، والاستسهال الدبلوماسي، والفشل في اختيار الموظفين ومتابعة عملهم بشكل منتظم، ما ورطنا في هذه "الفضيحة"، وما يتطلب، أيضا، الذهاب في تحديد المسؤوليات إلى الأقصى. وليس الاكتفاء بأكباش فداء، كما يحدث في كل المرات.