< د. خالد الحري مازلت أتحسس مكان العصا التي هوى بها عنصر من القوات المساعدة على رأسي حين كنت أهم، أنا ووالدي، بدخول المعرض الدولي الذي كان يحتضن حدثا لم أعد أتذكره. كنت في الثانية عشرة، حين رافقت والدي رحمه الله إلى هذا المكان. ووسط الازدحام وفوضى الدخول، لم أشعر إلا بعصا تنهال علي من فوق، كأنها عصا موسى فلقت البحر نصفين. ألم فظيع في الجمجمة وغصة في النفس والقلب، حاول والدي التخفيف منهما حين ضمني إليه، وطلب مني "نبدل ساعة بأخرى"، مؤكدا لي أنه يجب إيجاد العذر لهؤلاء الأشخاص، (يعني قوات حفظ النظام) الذين يشتغلون، في ظروف صعبة، وهم من لحم وبشر مثلنا، ويمكن أن يخطئوا التقدير في بعض الأحيان، لكن احترامهم واجب. تذكرتُ هذه الواقعة، وهذه الكلمات التي أثلجت صدري، ولم أدرك معناها إلا مع مرور الزمان، كما تذكرتها، قبل أيام، وأنا أرى كيف بلغت الجرأة والوقاحة بالبعض، بممارسة جبروته واستعراض عضلاته على رجال أمن في وضعية عمل، والاعتداء عليهم في واضحة النهار وأمام عدسات المصورين. فما شاهدناه لم يحدث من قبل، ولم يسبق لمواطن، أن أهان ممثل دولة بالزي الرسمي بهذا الشكل، وإن حدث، لا قدر الله، أن شعر مغربي أن شرطيا أو دركيا أو عنصرا من القوات المساعدة أو موظفا عموميا، مارس الشطط في حقه، يتجه إلى القضاء، ويطالب بحقه بموجب القانون، وليس بـ"شرع اليد". فأن ينزع شاب عصا رجل أمن، ويضربه بها، ثم يستعرض عضلاته، على زملائه الآخرين من الشرطة، فهذه إشارة سلبية، تدل على وجود "خلل" في مكان ما، يجب على الجميع التعبئة من أجل معالجته. إن الاعتداء على رجل أمن ليس حدثا عابرا، ولا ينبغي أن يكون ملفا مطروحا فقط على المحكمة للتقرير في شأنه، وهي المهمة التي أنجزتها بإصدار عقوبة ضد المعتدي، وإنما يجب أن يسائل جميع مؤسسات المجتمع، ويطرح السؤال: لماذا وصلنا إلى هذا المستوى من الانحطاط الأخلاقي والتربوي والسلوكي، حتى يتجرأ مواطن على تعنيف شرطي في الشارع العام؟ إنه السؤال الذي كان من المفروض أن يتوقف كل شيء في المغرب من أجل الإجابة عنه، والجلوس إلى طاولة واحدة لإيجاد حل ووقف النزيف، لأنه سيكون من الخطأ الاعتقاد أن حالة الشابين اللذين اعتديا على رجلي أمن بالحسيمة والبيضاء، هما حالتان معزولتان. فمثلهما يوجد آخرون، مستعدون لارتكاب الأسوأ إن سنحت لهم نصف فرصة. إن الموضوع ينبغي أن يطرح أبعد من الاعتداء على هيبة الدولة وحرمة القانون (رغم أهميتهما)، ويرتبط بتحليل المتغيرات الجوهرية، التي طرأت على المجتمع في السنوات الأخيرة، والعوامل والأسباب التي فرخت مجموعات من البشر بسلوك أناني وشرس، لا يولي احتراما وتقديرا لأي أحد، إذ انتقلنا من تعنيف الوالدين، إلى الاعتداء على ممثلي الأمن، وهي وضعيات تستحق التأمل، ثم الفعل بعد ذلك. إن الأمر جلل بكل المقاييس. ففي وقت قطع فيه المغرب أشواطا في احترام حقوق المواطن، ومعاقبة أي مسؤول يتعامل خارج القانون، استيقظنا على رد فعل عنيف من جزء من المجتمع ضد جزء من الدولة والمؤسسات. إنه تقهقر إلى الوراء، يدق ناقوس الخطر، ويحذرنا من السقوط، في الهاوية.