< د. خالد الحري انتهت الاحتفالات بالذكرى 17 للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وطويت الخيام، وجمعت الكراسي والطاولات، وعاد الولاة والعمال ورؤساء الجماعات وممثلو الجمعيات والمؤسسات العمومية ومختلف الشركاء إلى مقرات عملهم، دون أن يطرح السؤال الأهم: لماذا تعثر هذا المشروع الملكي الاجتماعي الضخم في تحقيق جميع أهدافه ومراميه؟ وكي نستوعب محورية السؤال، ينبغي أن نعيد قراءة الخطاب الملكي لـ 18 ماي 2005، الذي أعلن فيه انطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، بوصفها جوابا ميدانيا متماسكا على الخصاص الكبير في العرض الاجتماعي، ومشروعا عمليا للقضاء على خلايا التهميش والفقر والهشاشة في عدد من المناطق، ضمنها أحياء بالعاصمة الاقتصادية، انطلقت منها تخطيطات وتفجيرات 16 ماي 2003. وقال جلالة الملك، بكلمات واضحة: "إن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية تندرج ضمن رؤية شمولية، تشكل قوام مشروعنا المجتمعي، المرتكز على مبادئ الديمقراطية السياسية، والفعالية الاقتصادية، والتماسك الاجتماعي، والعمل والاجتهاد، وتمكين كل مواطن من الاستثمار الأمثل لمؤهلاته وقدراته"، انتهى كلام جلالة الملك. وبهذا المعنى، لا تعتبر المبادرة الوطنية، مجرد مشاريع وبرامج وتمويلات تستفيد منها الجماعات والجمعيات ومؤسسات عمومية وانتهى الأمر، بل ترجمة لاختيارات سياسية واجتماعية واضحة للدولة المغربية في العهد الجديد، يجب، بالضرورة، أن تترك أثرا على المواطنين في الواقع. لكن، حين تتأمل 17 سنة من هذا المشروع الملكي، الذي صرفت عليه ملايير الدراهم على ثلاث مراحل وحددت له محاور ومجالات تدخل ومساطر للإعداد والتتبع، وجندت له آلاف الموظفين، ثم نقارن كل ذلك بما يجري في الجهات والعمالات والأقاليم، سنصاب بالصدمة. فخلف الاحتفالات السنوية ومنح الجوائز وتكريم "الشخصيات" وتوزيع الحلوى والمشروبات، تختفي جبال من الاختلالات والتجاوزات وأشكال الاستغلال غير المشروع لبرامج المبادرة وأموالها، إذ عوض أن تحقق الأثر على الفئات التي تعيش وضعية فقر وهشاشة في القرى والمجالات الحضرية وشبه الحضرية، أنتجت لنا "الممارسة المغربية" فئة أخرى، أضحى يطلق عليها "أثرياء المبادرة". ففي جميع المناطق التي شملتها برامج المبادرة الوطنية، من المستحيل ألا تجد أشخاصا ظهرت عليهم نعمة المال العام، وتحولوا من مجرد رؤساء جمعيات غير ربحية، إلى أصحاب شركات وعقارات وممتلكات، دون أن يطرح عليهم السؤال "من أين لكم كل ذلك؟". ويعكس هذا التحول على المستوى الاجتماعي لبعض المستفيدين من مشاريع المبادرة، واحدا من المؤشرات عن تعثر هذا المشروع الاجتماعي في الوصول إلى الفئات الاجتماعية، خصوصا في المرحلتين الأولى والثانية، لتأتي المرحلة الثالثة بمنسق وطني جديد، غير منهجية العمل وهياكل التسيير، وجدد "رؤيتها" من خلال التركيز على تثمين الرأسمال البشري ومؤهلات الأجيال الصاعدة. وإذا جاز لنا اعتبار المرحلة الثالثة للمبادرة، نوعا من التقييم "القاسي" للمرحلتين السابقتين، فإن ذلك لا يكفي، لإعادة هذا المشروع الملكي الاجتماعي إلى سكته الصحيحة. إن حماية مشروع من هذا الحجم، تبدأ من فتح الملفات القديمة، وإنجاز مساطر التحقيق الأمني والقضائي، واستدعاء كل من تحوم حوله شبهة، وتطبيق المقتضيات القانونية ذات الصلة. إن الأمر مفروغ منه. فمن يسرق مشروعا موجها للفقراء والمحتاجين. قد يسرقنا جميعا في يوم من الأيام.