< د. خالد الحري ديدان وروائح كريهة، ولحوم فاسدة ووجبات منتهية الصلاحية وتسممات ومستعجلات وتحقيقات واعتقالات، هذه عناوين الأخبار التي تحتل، هذه الأيام، الصفحات الأولى للجرائد والمواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي. فلا صوت يعلو على الأخبار السيئة التي تعيدنا سنوات إلى الوراء، وتطرح السؤال مجددا عن دور أجهزة المراقبة الصحية في حماية المواطنين من شره مافيا التلاعب في المواد الغذائية، خصوصا المواد سريعة التلف الموجهة إلى الاستهلاك في المحلات التجارية والمطاعم والفنادق وفضاءات الترفيه والاستراحة. فجأة، ضربنا 12 سنة من المكتسبات عرض الحائط، وأضحى قرارُ تناول وجبة طعام خارج المنزل، مغامرة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، إذ لا تعرف أين ومتى وكيف تسقط مغمى عليك وتحمل في نقالة إلى أقرب مستشفى، بعد أن تتمكن الميكروبات والفيروسات والأوساخ من جهازك الهضمي. إن مسؤولية المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (أونسا)، قائمة هنا، بسبب الصلاحيات الواسعة التي منحت إلى هذه المؤسسة العمومية العاملة لحساب الدولة، بخصوص حماية صحة المواطنين، واعتماد نظام وطني لليقظة. فمنذ 2010، منحت الدولة للمكتب الوطني جميع الإمكانيات والصلاحيات وأنواع الدعم، ووضعت رهن إشارته عددا من الآليات والمصالح والمختبرات لتكثيف المراقبة الآنية والفورية للسلاسل الإنتاجية في القطاع الفلاحي والصيد البحري، والتصدي لكل ما شأنه أن يمس بسمعة هذه القطاعات التي تستقطب استثمارات باهظة، في إطار مخططات الحكومة، وتحدث آلاف مناصب الشغل، وتجلب العملة الصعبة للمغرب بواسطة التصدير. وطيلة تلك السنوات، لم تبخل الدولة عن هذا المكتب بأي شيء، وأعطته، في بعض الأحيان، "ورقة بيضاء"، للتصرف، وجندت له عددا كبيرا من الأطباء والخبراء والتقنيين، كما فتحت له باب التنسيق مع أجهزة الأمن والدرك الملكي والقضاء من أجل الضبط وإنزال العقوبات على المخالفين. لكن ما نتابعه، اليوم، في عدد من المناطق من تساهل في ترويج المواد الغذائية يعطي صورة سيئة عن طريقة اشتغال هذا المكتب، ويلقي بانعكاساته على صحة المواطنين أولا، ثم يخرب دورة اقتصادية كاملة، يتداخل فيها الإنتاج الزراعي والحيواني بجميع سلاسله وفروعه، بقطاع النقل واللوجستيك، كما يمس قطاع الخدمات والتسويق، وقطاع المقاهي والمطاعم والفنادق، دون إهمال القطاع السياحي المتضرر الأكبر من فوضى مراقبة المواد الغذائية. فمع توالي أخبار اللحوم "المخضرة" بالديدان، واللحوم الفاسدة المهربة في شاحنات صدئة ومتسخة، وصور مجازر الأسواق الأسبوعية بحيواناتها الضالة، سيكون من الصعب إقناع المواطنين يتناول وجبات خارج المنزل، وهي عادة دأبت عليها آلاف العائلات في نهاية الأسبوع وخلال العطل. هنا بالضبط ينبغي أن نقف، ونضرب بقوة على الأيادي التي تريد بنا سوءا. فكل شيء قد يتحمل الهزل، إلا سمعة الوطن.